٦٧

{ والذين اذا انفقوا } نفق الشىء اذا مضى ونفد اما بالبيع نحو نفق المبيع نفاقا

واما بالموت نحو نفقت الدابة نفوقا

واما بالفناء نحو نفقت الدراهم وانفقتها

{ لم يسرفوا } لم يجاوزوا حد الكرم

{ ولم يقتروا } ولم يضييقوا تضييق الشحيح فان القتر والاقتار والتقتير هو التضييق الذى هو التضييق الذى هو ضد الاسراف والاسراف مجاوزة الحد فى النفقة

{ وكان } الانفاق المدلول عليه بقوله انفقوا

{ بين ذلك } اى بين ماذكر من الاسراف والتقتير وهو خبر كان وقوله

{ قواما } خبر بعد خبر اهو الخبر وبين ذلك ظرف لغو لكان على رأى من يرى اعمالها فى الظرف . والمعنى وسطا عدلا سمى به لاستقامة الطرفين واعتدالهما بحيث لا ترجح لاحداهما على الآخر بالنسبة اليه لكونه وسطا بينهما كمركز الدائرة فانه يكون نسبة جميع الدائرة اليه على السواء ونظير القوام السواء سمى به لاستواء الطرفين فالآية نظير قوله تعالى فى سورة الاسراء { ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا }

وسط را مكن هركز از كف رها ... كه خير الامورست اوساطها

وتحقيق المقام الانفاق ضربان محمود ومذموم ، فالمحمود منه ما يكسب صاحبه العدالة وهو بذل ماوجبت الشريعة بذله كالصدقة المفروضة والانفاق على العيال ولذا قال الخسن مانفق الرجل على اهله فى غير اسراف ولافساد والا اقتار فهو فى سبيل اللّه ومنه مايكسب صاحبه اجرا وهو الانفاق على من الزمت الشريعة انفاقه عليه ومنه مايكسب له الحرية وهو بذل ماندبت الشريعة الى بذله فهذا يكتسب ن الناس شكرا ومن ولى النعمة اجرا ، والمذموم ضربان افراط وهو التبذير والاسراف وتفريط وهو الامساك والتقتير وكلاهما يراعى فيه الكمية والكيفية فالتبذير من جهة الكمية ان يعطى اكثر ما يحتمله حاله ومن حيث الكيفية ان يضعه فى غير موضعه والاعتبار فيه بالكيفية اكثر من الكمية فرب منفق درهما من الوف وهو فىنفاقه مسرف وببذله ظالم مفسد كمن اعطى فاجره درهما او اشترى خمرا ورب منفق الوفا لايملك غيرها هو فيه مقتصد وبذله محمود كما روى فى شأن ابى بكر الصديق رضى اللّه عنه حيث انفقجميع ماله فى غزوة تبوك ولما قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( ماذا ابقيت لاهلك يا ابا بكر ) قال اللّه ورسوله ، وقد قيل لحكيم متى يكون بذل القليل اسرافا والكثير اقتصاد اقال اذا كان بذل القليل فى باطل وبذل الكثير فى حق ومن هذا الباب ما قال مجاهد فى الآية لو كان لرجل مثل ابى قبيس ذهبا فانفقه فى طاعة اللّه لم يكن مسرفا ولو انفق درهما فى معصية اللّه كان مسرفا والتقتير من جهة الكمية ان ينفق دون مايحتمله حاله ومن جهة الكيفية ان يمنع من حيث يجب وينفق حيث لايجب والتبذير عند الناس احمد لانه جود لكنه اكثر مما يجب والتقتير بخل والجود على كل حال احمد من البخل لان رجوع المبذر الى السخاء سهل وارتقاء البخيل اليه صعب وان المبذر قد ينفع غيره وان اضر بنفسه والمقتر لا ينفع نفسه ولا غيره على ان التبذر فى الحقيقة هو من وجه اقبح اذلا اسراف الا وفى جنبه حق يضيع ولان التبذير يؤدى صاحبه الى ان يظلم غيره ولذا قيل الشحيح اعذر من الظالم ولانه جهل بقدر المال الذى هو سبب استبقاء النفس والجهل رأس كل شر والمتلاف ظالم من وجهين لاخذه من غير موضعه ووضعه فى غير موضعه ، قال يزيد بن حبيب فى هذه الآية اولئك اصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا لايأكلون طعاما للتنعيم واللذة ولا يلبسون ثيابا للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويكنهم عن الحر والقرّ وفى الحديث

( ليس لابن آدم حق فيما سوى هذه الخصال بيت يكنه وثوب يوارى عورته وجرف الخبز والماء ) يعنى كسر الخبز واحدتها جرفة بالكسر ، وقال عمر رضى اللّه عنه كفى سرفا ان لايشتهى الرجل شيأ الا اشتراه فاكله

اكرجه باشد مرادت خورى ... زدوران بسى امرادى برى

دريغ آدمى زاده بر محل ... كه باشد جو انعام بل هم اضل

قال الحافظ

خواب وخورت زمرتبه خويش دور كرد ... آنكهرسى بخويش كه بىخواب وخورشوى

ثم ان الاسراف ليس متعلقا بالمال بل بكل شىء وضع فى غير موضعه اللائق به ألا ترى ان اللّه تعالى وصف قوم لوط بالاسراف لوضعهم البذر فى غير المحرث فقال

{ أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل انتم قوم مسرفون } ووصف فرعون بقوله

{ انه كان عاليا من المسرفين } فالتكبر لغير المتكبر اسراف مذموم وللمتكبر اقتصاد محمود وعلى هذا فقس ، وفى الآية اشرة الى اهل اللّه الباذلين عليه الوجود

{ اذا انفقوا } وجودهم فى ذات اللّه وصفاته

{ لم يسرفوا } اى لم يبالغوا فى المجاهدة والرياضة حتى يهلكوا انفسهم بالكلية فقال

{ ولاتلقوا بايديكم الى التهلكة } { ولم يقتروا } فى بذل الوجود بان لايجاهدوا انفسهم فى ترك هواها وشهواتها كما اوحى اللّه تعالى الى داود عليه السلام فقال ( انذر قومك من اكل الشهوات فان القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عنى )

{ وكان بين ذلك قواما } بحيث لا يهلك نفسه بفرط المجاهدة ولا يفسد قلبه بتركها وتتبع الشهوات كما فى التأويلات النجمية.

﴿ ٦٧