٧٩

{ قل } يا محمد تبكيتا لذلك الانسان المنكر بتذكير ما نسيه من فطرة الدالة على حقيقة الحال وارشاده الطريقة للاشتشهاد بها

{ يحيها } اى تلك العظام

{ الذى أنشأها } اوجدها

{ اول مرة } اى فى اول مرة ولم تكن شيأ فان قدرته كما هى لاستحالة التغير فيها والمادة على حالها فى القابلية اللازمة لذاتها وهو من النصوص القاطعة الناطقة بحشر الاجساد استدلالا بالابتداء على الاعادة وفيه رد على من لم يقل به وتكذيب له

{ وهو } اى اللّه المنشئ

{ بكل خلق عليم } مبالغ فى العلم بتفاصيل كيفيات الخلق والايجاد انشاء واعادة محيط بجميع الاجزاء المتفتتة المتبددة لكل شخص من الاشخاص اصولها وفروعها واوضاع بعضا من بعض من الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق فيعيد كلا من ذلك على النمط السابق مع القوى التى كانت قبل

وفى بحر العلوم بليغ العلم بكل شئ من المخلوقات لا يخفى عليه شئ من الاجزاء المتفتتة واصولها وفروعها فاذا اراد ان يحيى الموتى يجمع اجزاءهم الاصلية ويعيد الارواح اليها ويحيون كما كانوا احياء وهو معنى حشر الاجساد والارواح وبعث الموتى

قال القاضى عضد الدين فى المواقف هل يعدم اللّه الاجزاء البدنية ثم يعيدها او يفرقها ويعيد فيها التأليف والحق انه لم يثبت ذلك ولا نجزم فيه نفيا ولا اثباتا لعدم الدليل على شئ من الطرفين وقوله تعالى

{ كل شئ هالك الا وجهه } لا يرجح احد الاحتمالين لان هلاك الشئ كما يكون باعدام اجزائه يكون ايضا يتفريقها وابطال منافعها انتهى.

فالجسم المعاد هو المبتدأ قد فنى بتفرق اجزائه الاصلية وبطلان منافعها ثم انه تعالى الف بين الاجزاء المتفرقة وضم بعضها الى بعض على النمط السابق وخلق فيها الحياة

واعلم ان المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهمم الاكثرون كقولهم

{ ائذا ضللنا فى الارض ائنا لفى خلق جديد } وقولهم

{ ائذا متنا وكنا ترابا وعظاما ائنا لمبعوثون } ومن قال

{ من يحيى العظام وهى رميم } قاله على طريق الاستبعاد فابطل اللّه استبعادهم بقوله

{ ونسى خلقه } اى نسى انا خلقناه من تراب ثم من نطفة متشابهة الاجزاء ثم جعلنا له من ناصيته الى قدمه اعضاء مختلفة الصور وما اكتفينا بذلك حتى اودعناه ما ليس من قبيل هذه الاجرام وهو النطق والعقل اللذان بهما استحق الاكرام فان كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد اعادة النطق والعقل من نطفة قذرة لم تكن محلا للحياة اصلا ويستبعدون اعادة النطق والعقل الى محل كانا فيه

ومنهم من ذكر شبهة وان كانت فى آخرها تعود الى مجرد الاستبعاد وهى على وجهين . الاول انه بعد العدم لم يبق شيأ فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود فاجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله

{ قل يحيها الذى انشأها اول مرة } يعنى انه كما خلق الانسان ولم يك شيأ مذكورا كذلك يعيده وان لم يبق شيأ مذكورا.

والثانى ان من تفرقت اجزاؤه فى مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه فى ابدان السباع وبعضه فى حواصل الطيور وبعضه فى جدران المنازل كيف يجتمع وابعد من هذه انه لو اكل انسان انسانا وصارت اجزاء المأكول داخلة فى اجزاء الآكل فان اعيدت اجزاء الآكل لا يبقى للمأكل اجزاء تتخلق منها اعضاؤه وان اعيدت الاجزاء المأكولة الى بدن المأكول واعيد المأكول باجزائه لا تبقى للآكل اجزاء يتخلق منها فابطل اللّه هذه الشبهة بقوله { وهو بكل خلق عليم }

ووجهه ان فى الآكل اجزاء اصلية واجزاء فضلية وفى المأكل ايضا كذلك فاذا اكل انسان انسانا صارت الاجزاء الاصلية للمأكل فضلة بالنسبة الى الآكل والاجزاء الاصلية للآكل وهى ما كان قبل الاكل هى التى تجمع وتعاد مع الآكل والاجزاء المأكولة مع المأكول واللّه بكل خلق عليم يعلم الاصل من الفضل فيجمع الاجزاء الاصلية للآكل ويجمع الاجزاء الاصلية للمأكول وينفخ فيه الروح وكذلك يجمع الاجزاء المتفرقة فى البقاع المتباعدة بحكمته وقدرته

قال بعض الافاضل لما كان تمسكهم بكون العظام رميمة من وجهين . احدههما اختلاط اجزاء الابدان والاعضاء بعضها مع بعض فكيف يميز اجزاء بدن من اجزاء رميمة يابسة جدا مع ان الحياة تستدعى رطوبة البدن . اشار الى جواب الاول بقوله

{ وهو بكل خلق عليم } فيمكنه تمييز اجزاء الابدان والاعضاء . والى جواب الثانى

﴿ ٧٩