٢٦

{ يا داود } اى فغفرنا له ذلك وقلنا له يا داود

{ انا جعلناك خليفة فى الارض } الخلافة النيابة عن الغير اما لغيبة المنوب عنه

واما لموته

واما لعجزه

واما لتشريف المستخلف وعلى هذا الوجه الاخير استخلف اللّه اولياءه فى الارض اذ الوجوه الاول محال فى حق اللّه تعالى فالخليفة عبارة عن الملك النافذ الحكم وهو من كان طريقته وحكومته على طريقة النبى وحكومته والسلطان اعم والخلافة فى خصوص مرتبة الامامة ايضا اعم . والمعنى استخلفناك على الملك فى الارض والحكم فيما بين اهلها اى جعلناك اهل تصرف نافذ الحكم فى الارض كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها وكان النبوة قبل داود فى سبطه والملك فى سبط آخر فاعطاهما تعالى داود عليه السلام فكان يدبر امر العباد بامره تعالى

وفيه دليل بين على ان حاله عليه السلام بعد التوبة كما كان قبلها لم يتغير قط بل زادت اصطفائيته كما قال فى حق آدم عليه السلام

{ ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } قال بعض كبراء المكاشفين ثم المكانة الكبرى والمكانة الزلفى التى خصه اللّه بها التنصيص على خلافته ولم يفعل ذلك مع احد من ابناء جنسه وهم الانبياء وان كان فيهم خلفاء

فان قلت آدم عليه السلام قد نص اللّه على خلافته فليس داود مخصوصا بالتنصيص على خلافته قلنا ما نص على خلافة آدم مثل التنصيص على خلافة داود وانما قال للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة فيحتمل ان يكون الخليفة الذى اراده اللّه غير آدم بان يكون بعض اولاده ولو قال ايضا انى جاعل آدم لم يكن مثل قوله انا جعلناك خليفة بضمير الخطاب فى حق داود فان هذا محقق ليس فيه احتمال غير المقصود

قال بعضهم تجبرت الملائكة على آدم فجعله اللّه خليفة وتجبر طالوت على داود فجعله خليفة وتجبرت الانصار على ابى بكر رضى اللّه عنه فجعله خليفة فلذا جعل اللّه الخلفاء ثلاثة آدم وداود وابا بكر . وكان مدة ملك داود اربعين سنة مما وهبه الخليفة الاول من عمره فان آدم وهب لداود من عمره ستين سنة فلذا كان خليفة فى الارض كما كان آدم خليفة فيها

وفى الآية اشارة الى معان مختلفة

منها ان الخلافة الحقيقية ليست بمكتسبة للانسان وانما هى عطاء وفضل من اللّه يؤتيه من يشاء كما قال تعالى

{ انا جعلناك خليفة } اى اعطيناك الخلافة

ومنها ان استعداد الخلافة مخصوص بالانسان كما قال تعالى

{ وجعلكم خلائف الارض } ومنها ان الانسان وان خلق مستعدا للخلافة ولكن بالقوة فلا يبلغ درجاتها بالفعل الا الشواذ منهم

ومنها ان الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما ان الخلقية تتعلق بعالم الصورة ولهذا لما اخبر اللّه تعالى عن صورة آدم عليه السلام قال

{ انى خالق بشرا من طين } ولما اخبر عن معناه قال

{ انى جاعل فى الارض خليفة } ومنها ان الروح الانسانى هو الفيض الاول وهو اول شىء تعلق به امر كن ولهذا نسبه الى امره فقال تعالى

{ قل الروح من امر ربى } فلما كان الروح هو الفيض الاول كان خليفة الله

ومنها ان الروح الانسان خليقة اللّه بذاته وصفاته اما بذاته فلانه كان له وجود من جود وجوده بلا واسطة فوجوده كان خليفة وجود اللّه

واما بصفاته فلانه كان له صفات من جود صفات اللّه بلا واسطة فكل وجود وصفات تكون بعد وجود الخليفة يكون خليفة خليفة اللّه بالذات والصفات وهلم جرا الى ان يكون القالب الانسانى هو اسفل سافلين الموجودات وآخر شىء لقبول الفيض الالهى واقل حظ من الخلافة فلما اراد اللّه ان يجعل الانسان خليفة خليفته فى الارض خلق لخليفة روحه منزلا صالحا لنزول الخليفة فيه وهو قالبه واعدّ له عرشا فيه ليكون محل استوائه عليه وهو القلب ونصب له خادما وهو النفس فلو بقى الانسان على فطرة اللّه التى فطر الناس عليها يكون روحه مستفيضا من الحق تعالى فائضا بخلافة الحق تعالى على عرش القلب والقلب فائض بخلافة الروح على خادم النفس والنفس فائضة بخلافة القلب على القالب والقالب فائض بخلافة النفس على الدنيا وهى ارض اللّه فيكون الروح بهذه الاسباب والآلات خليفة اللّه فى ارضه بحكمه وامره بتواقيع الشرائع

ومنها ان من خصوصية الخلافة الحكم بين الناس بالحق والاعراض عن الهوى بترك متابعته كما ان من خصوصية اكل الحلال العمل الصالح قال تعالى

{ كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } ومنها ان اللّه تعالى جعل داود الروح خليفة فى ارض الانسانية وجعل القلب والسر والنفس والقالب والحواس والقوى والاخلاق والجوارح والاعضاء كلها رعية له ثم على قضية كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته امر بان يحكم بين رعيته بالحق اى بامر الحق لا بامر الهوى كما قال تعالى

{ فاحكم بين الناس بالحق } اى بحكم اللّه تعالى فان الخلافة مقتضية له حتما وحكم اللّه بين خلقه هو العدل المحض وبه يكون الحاكم عادلا لا جائرا . والحكم لغة الفصل وشرعا امر ونهى يتضمنه الزاما

{ ولا تتبع الهوى } اى ما تهواه النفس وتشتهيه فى الحكومات وغيرها من امور الدين والدنيا : وبالفارسية [ وبيروى مكن هواى نفس را وآرزوهاى اورا ]

قال بعضهم وهو يؤيد ما قيل ان ذنب داود الهم الذى هم به حين نظر الى امرأة اوريا وهو ان يجعلها تحت نكاحه او ما قيل ان ذنبه المبادرة الى تصديق المدعى وتظليم الآخر قبل مسألته

{ فيضلك عن سبيل اللّه } بالنصب على انه جواب النهى اى فيكون الهوى او اتباعه سببا لضلالك عن دلائله التى نصبها على الحق تكوينا وتشريعا

قال بعض الكبار

{ ولا تتبع الهوى } اى ما يخطر لك فى حكمك من غير وحى منى

{ فيضلك عن سبيل اللّه } اى عن الطريق الذى اوحى بها الى رسلى انتهى

فان قلت كيف يكون متابعة الهوى سببا للضلال قلت لان الهوى يدعو الى الاستغراق فى اللذات الجسمانية فيشغل عن طلب السعادات الروحانية التى هى الباقيات الصالحات فمن ضل عن سبيل اللّه الذى هو اتباع الدلائل المنصوبة على الحق او اتباع الحق فى الامور وقع فى سبيل الشيطان بل فى حفرة النيران والحرمان

{ ان الذين يضلون عن سبيل اللّه } تعليل لما قبله ببيان غائلته واظهار فى سبيل اللّه فى موضع الاضمار للايذان بكمال شناعة الضلال عنه

{ لهم عذاب شديد بما نسوا } اى بسبب نسيانهم

{ يوم الحساب } مفعول لنسوا.

ولما كان الضلال عن سبيل اللّه مستلزما لنسيان يوم الحساب كان كل منهما سببا وعلة لثبوت العذاب الشديد تأدب سبحانه وتعالى مع داود حيث لم يسند الضلال اليه بان يقول فلئن ضللت عن سبيلى فلك عذاب شديد لما هو مقتضى الظاهر بل اسنده الى الجماعة الغائبين الذين داود عليه السلام واحد منهم

واعلم ان اللّه تعالى خلق الهوى الباطل على صفة الضلالة مخالفا للحق تعالى فان من صفته الهداية والحكمة فى خليفته يكون هاديا الى الحضرة بضدية طبعه ومخالفة امره كما ان الحق تعالى كان هاديا الى حضرته بنور ذاته وموافقة امره ليسير السائر الى اللّه على قدمى موافقته امر اللّه ومخالفته هواه ولهذا قال المشايخ لولا الهوى ما سلك احد طريقا الى اللّه واعظم جنايات العبد واقبح خطاياه متابعة الهوى كما قال عليه السلام ( ما عبد اله فى الارض ابغض على اللّه من الهوى ) وفى الحديث ( ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه ) وللهوى كمالية فى الاضلال لا توجد فى غيره وذلك لانه يحتمل ان يتصرف فى الانبياء عليهم السلام باضلالهم عن سبيل اللّه كما قال لداود عليه السلام

{ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه } وبقوله

{ ان الذين } الخ يشير الى ان الضلال الكبير هو الانقطاع عن طلب الحق ومن ضل عن طريق الحق اخذ بعذاب شديد القطيعة والحرمان من القرب وجوار الحق وذلك بما نسوا يوم الحساب وهو يوم يجازى فيه كل محق بقدر هدايته وكل مبطل بحسب ضلالته كما فى التأويلات النجمية

وفى الآية دليل بين على وجوب الحكم بالحق وان لا يميل الحاكم الى احد الخصمين بشىء من الاشياء وفى الحديث انه عليه السلام قال لعلى ( يا على احكم بالحق فان لكل حكم جائر سبعين درعا من النار لو ان درعا واحدا وضع على رأس جبل شاهق لاصبح الجبل رمادا )

[ درفوائد السلوك آورده كه بنكركه بادشاهى جه صعب كاريست كه حضرت داود عليه السلام با كمال درجه نبوت وجلال مرتبه رسالت بحمل اعابى جنين امرى مأمور وبخطب اثقال جنين خطابى مخاطب مى شودكه

{ فاحكم بين الناس بالحق } ميان مردمان حكم بطريق معدلت ونصفت كن وداورى برمنهج عدل وانصاف نماى وباى بر جاى حق نه بر طريق باطل ومتابعت هواى نفس برمتابعت مراد حق اختيار مكن كه ترا از مسالك مراضىء ما كمراه كردند : ودر سلسلة الذهب ميفرمايد

نص قرآن شنوكه حق فرمود ... در مقام خطاب يادود

كه ترازان خليفكى داديم ... سوى خلقان ازان فرستاديم

تادهى ملك را زعدل اساس ... حكم رانى بعدل بين الناس

هركرا نه زعدل دستورست ... از مقام خليفكى دورست

آنكه كيرد ستم زديو سبق ... عدل جون خواندش خليفه حق

بيشه كرده خلاف فرمان را ... كشته نائب مناب شيطان را

حق زشاهان بغير عدل نخواست ... آسمان وزمين بعدل بياست

شاه باشد شبان خلق همه ... رمه وكرك آن رمه ظلمه

بهر آنست هاى هوى شبان ... تا بيابد رمه زكرك امان

جون شبان سازكار كرك بود ... رمه را آفت بزرك بود

هركرا دل بعدل شد مائل ... طمع از مال خلق كوبكسل

طمع و عدل آتش وآبند ... هردو يكجا قرار كى يابند

هر كرا از خليفكىء خداى ... نشود سير نفس بد فرماى

سيرمشكل شود ازان زروسيم ... كه كشدكه زبيوه كه زيتيم

ومن اللّه التوفيق للعدل فى الانفس والآفاق واجراء احكام الشريعة وآداب الطريقة على الاطلاق انه المحسن الخلاق

﴿ ٢٦