٢١

{ كتب اللّه } استنئاف وارد لتعليل كونهم فى الاذلين اى قضى وأثبت فى اللوح وحيث جرى ذلك مجرى القسم أجيب بما يجاب به

{ لاغلبن انا ورسولى } اكده لما لهم من ظن الغلبة بالكثرة والقوة والمراد والغلبة بالحجة والسيف او بأحد هما والغلبة بالحجة ثابتة لجميع الرسل لانهم الفائزون بالعاقبة الحميدة فى الدنيا والآخرة

واما الغلبة بالسيف فهى ليست بثابته للجميع لان منهم من لم يأمر بالحرب قال الزجاج غلبة الرسل على نوعين من بعث منهم بالحرب فهو غالب بالحرب ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة واذا انضم الى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف كان اقوى

محالست جون دوست دارد ترا ... كه دردست دشمن كذارد ترا

وعن مقاتل انه قال المؤمنون لئن فتح اللّه لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا اللّه تعالى على فارس والروم فقال رئيس المنافقين عبد اللّه بن أبى بن سلول أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التى غلبتم عليه واللّه انهم لاكثر عدد او أشد بطشا من أن تظنوا فيم ذلك فنزل قوله تعالى

{ كتب اللّه } الآية قال البقلى رحمه اللّه كتب اللّه على نفسه فى الازل ان ينصر اولياءه على اعدآئه من شياطين الظاهر والباطن ويعطيهم رايات نصرة الولاية فحيث تبدوا راياتهم التى هى سطوع نور هيبة الحق من وجوههم صار الاعدآء مغلوبين بتأييد اللّه ونصرته قال أبو بكر بن طاهر رحمه اللّه اهل الحق لهم الغلبة ابدا ورايات لاحق تسبق رايات غيره جميعا لان اللّه تعالى جعلهم اعلاما فى خلقه واوتادا فى ارضه ومفزعا لعباده وعمارة لبلاده فمن قصدهم بسوء كبه اللّه لوجهه واذله فى طاهر عزه

{ ان اللّه } تعليل للقهر والغلبة اكده لان افعالهم مع اوليائه افعال من يظن ضفعه

{ قوى } على نصر انبيائه

قال بعضهم القوى هو الذى لايلحقه ضعف فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى افعاله ولايمسه نصب ولاتعب ولايدركه قصور ولاعجوز نقض ولا ابرام والقوة فى الاصل عبارة عن شدة البنية وصلابتها المضادة للعضف ويراد بها القدرة بالنسبة الى اللّه تعالى

{ عزيز } لايغلب عليه فى مراده

حكمى كه آن زباركه كبريا يود ... كس را دران مجال تصرف كجا كبود

فان قلت فاذا كان اللّه قويا عزيزا غير عاجز فما وجه انهزام المسلمين فى بعض الاحيان وقد وعد النصرة قلت ان النصرة والغلبة منصب شريف فلا يليق بالكافر لكن اللّه تعالى تارة يشدد المحنة على الكفار واخرى على المؤمنين لانه لو شدد المحنة على الكفار فى جميع الاوقات وأزالها عن المؤمنين فى جميع الاوقات لحصل العلم الضرورى بأن الايمان حق وما سواه باطل ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط اللّه المحنة على أهل الايمان واخرى على اهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند اللّه ولان المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى فيكون تشدد المحنة عليه فى الدينا تمحيصا لذنوبه وتطهيرا لقلبه

واما تشديد المحنة على الكافر فهو من قبيل الغضب ألا ترى ان الطاعون مثلا رحمة للمؤمنين ورجز للكافرين وما من سابق عدل الا له لاحق فضل ولا سابق فضل الا له حق عدل غير أن اثرى العدل والفضل قد يتعلقان بالبواطن خاصة وقد يتعلق أحدهما بالظاهر والآخرة بالباطن وقد يكون اختلاف تعلقها فى حالة واحدة وقد يكون على البدل وعلى اقدر تعلق الأثر السابق يكون تعلق الأثر اللاحق وقد أجرى ا لله سبحانه آثار عدله على ظواهر أصفيائه دون بواطنهم ثم عقب ذلك بايراد آثار فضله على بواطنهم وظواهرهم حتى صار من قاعدة الحكمة والالهية تفويض مما لك الارض للمستضعفين فيها كالنجاشى حيث بيع فى صغره وذلك كثير موجود باستقرآء فمن كمال تربية الحكيم لمن يريد اعلاء شأنهم أن يجرى على ظاهرهم من آثار العدل مافيه تكميل لهم وتنوير لمداركهم وتطهير لوجودهم وتهذيب وتأديب الى غير ذلك من فوآئد التربية ومن تتبع احوال الاكابر من آدم عليه السلام وهلم جرا رأى من احسن بلاء اللّه مايشهد لما قرر بالصحة والمبتلى به يصبر على ذلك بل يتلذذ كماهو شأن الكبار

هرجه از دست توآبد خوش بود ... كرهمه درياى بر آتش بود

وفى الآية اشارة الى اعدآء النفوس الكافرة فانها تحمل القلوب والارواح على مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة وتمحو الذكر من ألواحها بغلبة المحبة الدنيا وشهواتها لكن اللّه تعالى ينصرها ويؤيدها حتى تغلب على النفوس الكافرة بسطوات الذكر فيحصل لها غاية الذلة كأهل الذمة فى بلدة المسلمين وذلك لان اللّه تعالى كتب فحائف الاستعدادات غلبتها على النفوس وذلك من باب الفضل والكرم

﴿ ٢١