٩

{ ياأيها الذين آمنوا اذا نودى للصلاة } الندآء رفع الصوت وظهوره ونداء الصلاة مخصوص فى الشرع بالالفاظ المعروفة والمراد بالصلاة صلاة الجمعة كل دل عليه يوم الجمعة والمعنى فعل الندآء لها اى اذن لها والمعتبر فى تعلق الامر الآتى هو الاذان الاول فى الاصح عندنا لان حصول الاعلام به لا الاذان بين يدى المنبر وقد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مؤذن واحد فكان اذا جلس على المنبر اذن على باب المسجد فاذا نزل اقام الصلاة ثم كان ابو بكر وعمر رضى اللّه عنهما على ذلك حتى اذا كان عثمان رضى اللّه عنه وكثرت الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنا آخر فأمر بالتأذين الاول على دار له بالسوق يقال لها الزورآء ليسمع الناس فاذا جلس على المنبر اذن المؤذن الثانى فاذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه

{ من يوم الجمعة } بضم الميم وهو الاصل والسكون تخفيف منه ومن بيان لاذا وتفسير لها اى لا بمعنى انها لبيان الجنس على ماهو المتبادر فان وقت الندآء جزء من يوم الجمعة لايحمل عليه فكيف يكون بيانا له بل المقصود انها لبيان ان ذلك الوقت فى اى يوم من الايام اذ فيه ابهام فتجامع كونهنا بمعنى فى كما ذهب اليه بعضهم وكونها للتبعيض كما ذهب اليه البعض الآخر وائما سمى جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة فهو على هذا الاسم اسلامى

وقيل اول من سماه جمعة كعب بن لؤى بالهمزة تصغير لأى سماه بها لاجتماع قريش فيه اليه وكانت العرب قبل ذلك تسميه العروبة بمعنى الظهور وعروبة وباللام يوم الجعة كما فى القاموس وقان ابن الاثير فى النهاية الافصح انه لايدخلها الالف واللام

وقيل ان الانصار قالوا قبل الهجرة لليهود يوم يجمعون فيه فى كل سبعة ايام وللنصارى مثل ذلك فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر اللّه ونصلى فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا الى سعد بن زرارة رضى اللّه عنه بضم الزاى فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه وحين اجتمعوا ذبح لهم شاة فتعشوا وتغذوا منها لقلتهم وبقى فى اكثر القرى التى يقال فيها الجمعة عادة الاطعام بعد الصلاة الى يومنا هذا فأنزل اللّه آية الجمعة فهى اول جمعة فى الاسلام

واما اول جمعمة جمعها رسول اللّه عليه السلام فهى انه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قبا على بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر بيع الاول حين امتد الضحى ومن تلك السنة يعد التاريخ الاسلامى فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس واسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة ماعدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة فى بنى سالم بن عوف فى بطن وادٍ لهم قد اتخذ القوم فى ذلك الموضع مسجدا فخطب وصلى الجمعة وهى اول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها

( الحمد لله واستعينه واستهديه وأومن به ولا اكفره واعادى من يكفر به وأشه أن لا اله الا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الاجل من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا اوصيكم بتقوى اللّه فان خير ما أوصى به المسلم المسلم ان يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى اللّه واحذر ماحذركم اللّه من نفسه فان تقوى منعمل به ومخافته من ربه عنوان صدق على مايبغيه من الآخرة ومن يصلح الذى بينه وبين اللّه من امره فى السر والعلانية لاينوى به الا وجه اللّه يكون له ذكرا عاجل امره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ماقدم وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه امدا بعيدا ويحذركم اللّه نفسه واللّه رؤف بالعباد هو الذى صدق قوله وانجز وعده ولا خلف لذلك فانه يقول مايبدل القوى لدى وما انا بضلام للعبيد فاتقوا اللّه فى عاجل امركم وآجله فى السر والعلانية فانه مايتق اللّه يكفر عنه سيئاته ويعظم له اجرا ومن يتق اللّه فقد فاز فوزا عظيما وان تقوى اللّه توقى مقته وتوقى عقوبته وتوقى سخطه وان تقوى اللّه تبيض الوجه وترضى الرب وترفع الدرجة فخذوا بحظكم ولاتفرطوا فى جنب اللّه فقد علمكم فى كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فأحسنوا كما احسن اللّه اليكم وعادوا اعدآءه وجاهدوا فى اللّه حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة ولاحول ولاقوة الا باللّه فاكثروا ذكر اللّه واعملوا لما بعد الموت فان من يصلح مابينه وبين اللّه يكفر اللّه مابينه وبين الناس ذلك بان اللّه يقضى على الناس ويقضون عليه ويملك من الناس ولايملكون منه اللّه اكبر ولاحول ولا قوة الى باللّه العلى العظيم ) انتهت الخطبة النبوية ثم ان هذه الآية رد لليهود فى طعنهم للعرب وقولهم لنا السبت ولا سبت لكم

{ فاسعوا الى ذكر اللّه } قال الراغب السعى المشى السريع وهو دون العدو اى امشوا واقصدوا الى الخطبة والصلالة لاشتمال كل منهما على ذكر اللّه وما كان من ذكر رسول اللّه والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين واتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو فى حكم ذكر اللّه

واما ماعدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم احقاء بعكس ذلك فمن ذكر الشيطان وهو من ذكر اللّه على مراحل كما فى الكشاف وبالفارسية رغبت كنيد بدان وسعى نماييد دران.

وعن الحسن رحمه اللّه اما واللّه ماهو بالسعى على الاقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة الا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنيات والخشوع والابتكار ولقد ذكر الزمخشرى فى الابتكار قولا وافيا حيث قال وكانت الطرقات فى ايام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة اى مملوءة بالمبكرين الى الجمعة يمشون بالسرج وفى الحديث ( اذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على ابواب المسجد بأيديهم صحف من فضة واقلام من ذهب يكتبون الاول فالاول على مراتبهم فاذا خرج الامام طويت الصحف واجتمعوا للخطبة والمهجر الى الصلاة كالمهدى بدنه ثم الذى يليه كالمهدى بقرة ثم الذى يليه كالمهدى شاة حتى ذكر الدجاجة والبيضة ) وفى عبارة السعى اشارة الى النهى عن التثاقل وحث على الذهاب بصفاء قلب وهمة لابكسل نفس وغمة وفى الحديث ( اذا اذن المؤذن اى فى الاوقات الخمسة ادبر الشيطان وله حصاص ) وهو بالضم شدة العدو وسرعته وقال حماد بن سلمة قلت لعاصم بن أبى النجود ما الحصاص قال اما رأيت الحمار اذا اصر باذنيهاى ضمهما الى رأسه ومصع بذنبه اى حركه وضرب به وعدا اى اسرع فى المشى فذلك حصاصه وفيه اشارة الى ان ترك السعى من فعل الشيطان وهذا بالنسبة الى غير المريض والاعمى والعبد والمرأة والمقعد والمسافر فانهم ليسوا بمكلفين فهم غير منادين اى لاسعى من المرضى والزمنى والعميان وقد قال تعالى

{ فاسعوا }

واما النسوان فهن امرن بالقرار فى البيوت بالنص والعبد والمسافر مشغولان بخدمة المولى والنقل قال النصر آبادى العوام فى قضاء الحوآئج فى الجمعات والخواص فى السعى الى ذكره لعلمهم بأن المقادير قد جرت فلا زيادة ولا نقصان وقال بعضهم الذكر عند المذكور حجاب والسعى الى ذكر اللّه مقام المريدين يطلبون من المذكور محل قربة اليه والدنو منه

واما المحقق فى المعرفة وقد غلب عليه ذكر اللّه اياه بنعت تجلى نفسه لقلبه

{ وذروا البيع } يقال فلان يذر الشىء اى يقذفه لقلة اعتداده به ولم يستعمل ماضيه وهو وذر اى اتركوا المعاملة فالبيع مجاز عن المعاملة مطلقا كالشرآء والاجارة والمضاربة وغيرها ويجوز ابقاء البيع على حقيقته ويلحق به غيره بالدلالة وقال بعضهم النهى عن البيع يتضمن النهى عن الشرآء لانهما متضايفان لايعقلان الا معا فاكتفى بذكر احدهما عن الآخر واراد الامر بترك مايذهل عن ذكر اللّه من شواغل الدنيا وانما خص البيع والشرآء من بينها لان يوم الجمعة يوم تجمع فيه الناس من كل ناحية فاذا دنا وقت الظهيرة يتكاثر البيع والشرآء فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول عن ذكر اللّه والمضى الى المسجد قيل لهم بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا الى ذكر اللّه الذى لاشىء انفع منه واربح وذروا البيع الذى نفعه يسير وربحه قليل

{ ذلكم } اى السعى الى ذكر اللّه وترك البيع

{ خير لكم } من مباشرته فان نفع الآخرة اجل وابقى

{ ان كنتم تعلمون } الخبر والشر الحقيقين روى انه عليه السلام خطب فقال

( ان اللّه افترض عليكم الجمعة فى يومى هذا وفى مقامى هذا فمن تركها فى حياتى وبعد مماتى وله امام عادل او جائر من غير عذر فلا بارك اللّه له ولاجمع اللّه شمله ألا فلا حج له ألا فلا صوم له ومن تاب تاب اللّه عليه )

﴿ ٩