٤٩القول في تأويل قوله تعالى: {أَهَـَؤُلآءِ الّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّه بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ }. اختلف أهل التأويل في المعنيين بهذا الكلام، فقال بعضهم: هذا قيل اللّه لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قيلهم في الدنيا لأهل الأعراف عند إدخاله أصحاب الأعراف الجنة. ذكر من قال ذلك: ١١٥١١ـ حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: أصحاب الأعراف: رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان حَسْمُ أمرهم لله، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها، وإذا نظروا إلى أهل النار تعوّذوا باللّه منها، فأدخلوا الجنة. فذلك قوله تعالى: أهَؤُلاءِ الّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهمُ اللّه بِرَحْمَةٍ يعني أصحاب الأعراف، ادْخُلُوا الجَنّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ. ١١٥١٢ـ حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك ، قال: قال ابن عباس: إن اللّه أدخل أصحاب الأعراف الجنة ل قوله: ادْخُلُوا الجَنّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ. ١١٥١٣ـ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قال اللّه لأهل التكبر والأموال: أهَؤُلاءِ الّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمْ اللّه بِرَحْمَةِ يعني أصحاب الأعراف، ادْخُلُوا الجَنّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ. ١١٥١٤ـ حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ: أهَؤُلاءِ الضعفاء الّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللّه بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ. قال: فقال حُذيفَة: (أصحَابُ الأعْرَافِ قَوْمٌ تَكافَأتْ أعْمالُهُمْ فَقَصّرَتْ بِهِمْ حَسنَاتُهُمْ عَنِ الجَنّةِ، وَقَصّرَتْ بِهِمْ سَيّئاتُهُمْ عَنِ النارِ، فَجُعلُوا على الأعْرَافِ يَعْرِفونَ النّاسَ بِسِيماهُمْ. فَلَمّا قُضِيَ بينَ العِبادِ، أُذِنَ لَهُمْ فِي طَلَبِ الشّفاعَةِ، فَأتَوْا آدَمَ عَلَيْهِ السّلامُ، فَقالُوا: يا آدَمُ أنْتَ أبُونا فاشْفَعْ لَنا عِنْدَ رَبّكَ فَقالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أحَدا خَلَقَه اللّه بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَسَبَقَتْ رَحْمَةُ اللّه إلَيْهِ غَضَبَهُ وَسجَدَتْ لَهُ المَلائِكَةُ غيرِي؟ فَيَقُولُونَ لا. قال: فَ يَقُولُ: ما عَلِمتُ كُنْهَ ما أسْتَطِيعُ أنْ أشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنْ ائْتُوا ابْنِي إبْرَاهِيمَ قال: فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلامُ، فَيَسأَلُونَهُ أنْ يَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ رَبّهِ، فَيَقُولُ هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أحَدٍ اتّخَذَهُ اللّه خَلِيلاً؟ هَلْ تَعْلَمونَ أحَدا أحْرَقَهُ قَوْمُهُ فِي النّارِ فِي اللّه غيرِي؟ فَيَقُولونَ: لا فَ يَقُولُ: ما عَلِمْتُ كُنْهَ ما أسْتَطِيعُ أنْ أشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا ابني موسى فَيَأْتُونَ مِوسَى عَلَيْهِ السّلامُ، فَ يَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أحَدٍ كَلّمَهُ اللّه تَكْلِيما وَقَرّبَهُ نَجِيّا غيرِي؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَ يَقُولُ: ما عَلِمْتُ كُنْهَ ما أسْتَطِيعُ أنْ أشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنا عِنْدَ رَبّكَ فَ يَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ أحدا خَلَقَهُ اللّه مِنْ غيرِ أبٍ غَيرِي؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَ يَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أحَدٍ كانَ يُبْرِىءُ الأكْمَه وَالأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى بإذْن اللّه غيرِي؟ قال: فَيَقُولُونَ: لا، قالَ: فَ يَقُولُ: أنا حَجِيجُ نَفْسِي، ما عَلِمْتُ كُنْهَ ما أسْتَطِيعُ أنْ أشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا محمدا رسْولَ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ) قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (فَيَأْتُونِي، فَأضْرِبُ بِيَدِي على صَدْرِي ثُمّ أقُولُ: أنا لَهَا. ثُمّ أمْشِي حتى أقِفَ بينَ يَدَيَ العَرْشِ، فَأُثْنِي عَلى رَبي، فَيَفْتَحُ لي مِنَ الثّناء ما لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِهِ قَطّ، ثُمّ أسْجُدَ فَيُقالُ لي: يا مُحَمّدُ ارْفَعْ رأسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفّعْ فَأرْفَعُ رأسِي فَأقُولُ: رَبّ أُمّتِي فَيُقالُ: هُمْ لَكَ. فَلا يَبْقَى نَبِيّ مُرْسَلٌ وَلا مَلَكٌ مُقَرّبٌ إلاّ غَبَطَنِي يَوْمَئِذٍ بذلكَ المَقامِ، وَهُوَ المَقامُ المَحْمودُ) . قالَ: (فَآتي بِهِمْ بابَ الجَنّةِ فأسْتَفْتِحُ، فَيُفْتَحُ لي ولَهُمْ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ إلى نَهْرٍ يُقالُ لَهُ نَهْرُ الحَياةِ، حافَتاهُ قُضُبٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلّلٍ باللُؤْلُؤٍ، تُرَابُهُ المِسْكُ، وَحَصْباؤُهُ الياقُوتُ، فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهُ، فَتَعُودُ إلَيْهِمْ ألْوَانُ أهْلِ الجَنّةِ وَرِيحُهُمْ، وَيَصِيرُونَ كأنّهُمُ الكَوَاكِبُ الدّرّيّةِ، وَيَبْقَى فِي صُدُرِهِمْ شاماتٌ بِيضٌ يُعْرَفُونَ بِها، يُقال لَهُمْ مَساكِينُ أهْلِ الجَنّةِ) . ١١٥١٥ـ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سعت أبا معاذ، قال: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك ، قال: إن اللّه أدخلهم بعد أصحاب الجنة، وهو قوله: ادْخُلُوا الجَنّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ يعني أصحاب الأعراف. وهذا قول ابن عباس. فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس، ومن ذكرنا قوله فيه: قال اللّه لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية اللّه والإذعان لطاعته وطاعة رسله الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء: أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا، أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمة؟ قال: قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي، ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة، لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الاَثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم وقال أبو مجلز: بل هذا القول خبر من اللّه عن قيل الملائكة لأهل النار بعد ما دخلوا النار تعييرا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدخلهم اللّه يوم القيامة جنته. وأما قوله: ادْخُلُوا الجَنّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ فخبر من اللّه عن أمره أهل الجنة بدخولها. ١١٥١٦ـ حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، قال: نادت الملائكة رجالاً في النار يعرفونهم بسيماهم: ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمة؟ قال: فهذا حين يدخل أهل الجنة الجنة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. |
﴿ ٤٩ ﴾