١٤٥القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِن كُلّ شَيْءٍ مّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيْءٍ ...}.. يقول تعالـى ذكره: وكتبنا لـموسى فـي ألواحه. وأدخـلت الألف واللام فـي (الألواح) بدلاً من الإضافة، كما قال الشاعر: (والأحْلامُ غيرُ عَوَازِبُ ) وكما قال جل ثناؤه فإنّ الـجَنّةَ هِيَ الـمَأْوَى يعني : هي مأواه. وقوله: مِنْ كُلّ شَيْءٍ يقول من التذكير والتنبـيه علـى عظمة اللّه وعزّ سلطانه. مَوْعِظَةً لقومه ومن أمر بـالعمل بـما كتب فـي الألواح. وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ يقول: وتبـيـينا لكلّ شيء من أمر اللّه ونهيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: ١١٨٠٢ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد أو سعيد بن جبـير وهو فـي أصل كتابـي، عن سعيد بن جبـير فـي قول اللّه :وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ قال: ما أمروا به ونهوا عنه. ١١٨٠٣ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بنـحوه. حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ: وكَتَبْنا لَهُ فِـي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ من الـحلال والـحرام. حدثنـي الـحرث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهدا يقول فـي قوله: وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ قال: ما أمروا به ونُهوا عنه. ١١٨٠٤ـ حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: وكَتَبْنا لَهُ فِـي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ قال عطية: أخبرنـي ابن عبـاس أن موسى صلى اللّه عليه وسلم لـما كربه الـموت قال: هذا من أجل آدم، قد كان اللّه جعلنا فـي دار مثوى لا نـموت، فخطأ آدم أنزلنا ههنا فقال اللّه لـموسى: أبعث إلـيك آدم فتـخاصمه؟ قال: نعم. فلـما بعث اللّه آدم، سأله موسى، فقال أبونا آدم علـيهما السلام: يا موسى سألت اللّه أن يبعثنـي لك قال موسى: لولا أنت لـم نكن ههنا. قال له آدم: ألـيس قد أتاك اللّه من كلّ شيء موعظة وتفصيلاً؟ أفلست تعلـم أنه ما أصَابَ فـي الأرْضِ من مُصِيَبةٍ ولا فـي أنْفُسِكُمْ إلا فـي كِتَابٍ مِنْ قَبْل أنْ نَبْرَأَهَا؟ قال موسى: بلـى. فخصمه آدم صلـى اللّه علـيهما. ١١٨٠٥ـ حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبـا يقول فـي قوله: وكَتَبْنا لَهُ فِـي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ قال: كتب له لا تشرك بـي شيئا من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كلّ ذلك خـلقـي، ولا تـحلف بـاسمي كاذبـا، فإن من حلف بـاسمي كاذبـا فلا أزكيه، ووقّر والديك. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَخُذْهَا بِقُوّةٍ. يقول تعالـى ذكره: وقلنا لـموسى إذ كتبنا له فـي الألواح من كلّ شيء موعظة وتفصيلاً لكلّ شيء: خذ الألواح بقوّة. وأخرج الـخبر عن الألواح والـمراد ما فـيها. واختلف أهل التأويـل فـي معنى القوّة فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: معناها بجدّ. ذكر من قال ذلك: ١١٨٠٦ـ حدثنـي عبد الكريـم، قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار، قال: حدثنا ابن عيـينة، قال: قال أبو سعد، عن عكرمة عن ابن عبـاس : فَخُذْهَا بِقُوّةٍ قال: بجدّ. ١١٨٠٧ـ حدثنـي موسى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ: فَخُذْهَا بِقُوّةٍ قال: بجدّ واجتهاد. وقال آخرون: معنى ذلك: فخذها بـالطاعة لله. ذكر من قال ذلك: ١١٨٠٨ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله: فَخُذْهَا بِقُوّةٍ قال: بـالطاعة. وقد بـيّنا معنى ذلك بشواهده واختلاف أهل التأويـل فـيه فـي سورة البقرة عند قوله: خُذُوا ما آتَـيْناكُمْ بِقُوّةٍ فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها. يقول تعالـى ذكره: قلنا لـموسى: وأمر قومك بنـي إسرائيـل يأخذوا بأحسنها. يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فـيها كما: ١١٨٠٩ـ حدثنـي موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ: وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها بأحسن ما يجدون فـيها. ١١٨١٠ـ حدثنـي عبد الكريـم، قال: حدثنا إبراهيـم، قال: حدثنا سفـيان، قال: حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس : وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها قال: أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مـما أمر به قومه. فإن قال قائل: وما معنى قوله: وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها أكان من خصالهم ترك بعض ما فـيها من الـحسن؟ قـيـل: لا ولكن كان فـيها أمر ونهي، فأمرهم اللّه أن يعملوا بـما أمرهم بعمله ويتركوا ما نهاهم عنه، فـالعمل بـالـمأمور به أحسن من العمل بـالـمَنْهيّ عنه. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ. يقول تعالـى ذكره لـموسى إذ كتب فـي الألواح من كلّ شيء: خذها بجدّ فـي العمل بـما فـيها واجتهاد، وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فـيها، وانههم عن تضيـيعها وتضيـيع العمل بـما فـيها والشرك بـي، فإن من أشرك بـي منهم ومن غيرهم، فإنـي سأريه فـي الاَخرة عند مصيره إلـيّ دار الفـاسقـين، وهي نار اللّه التـي أعدّها لأعدائه. وإنـما قال: سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ كما يقول القائل لـمن يخاطبه: سأريك غدا إلام يصير إلـيه حال من خالف أمري علـى وجه التهديد والوعيد لـمن عصاه وخالف أمره. وقد اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم بنـحو ما قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك: ١١٨١١ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ قال: مصيرهم فـي الاَخرة. حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله. ١١٨١٢ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا مسلـم، قال: حدثنا مبـارك، عن الـحسن، فـي قوله: سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ قال: جهنـم. وقال آخرون: معنى ذلك: سأدخـلكم أرض الشأم، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الـجبـابرة والعمالقة. ذكر من قال ذلك: ١١٨١٣ـ حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ: منازلهم. حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: حدثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: دَارَ الفـاسِقِـينَ قال: منازلهم. وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون، وهي مصر. ذكر من قال ذلك:............ وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي تأويـل ذلك، لأن الذي قبل قوله جلّ ثناؤه: سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ أمر من اللّه لـموسى وقومه بـالعمل بـما فـي التوراة، فأولـى الأمور بحكمة اللّه تعالـى أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى من ضيعه وفرّط فـي العمل لله وحاد عن سبـيـله، دون الـخبر عما قد انقطع الـخبر عنه أو عما لـم يجر له ذكر. |
﴿ ١٤٥ ﴾