٩

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ }..

يقول تعالـى ذكره: ويبطل البـاطل حين تستغيثون ربكم، ف (إذا) من صلة (يبطل) ومعنى قوله: تسْتَغيثونَ رَبّكُمْ: تستـجيرون به من عدوّكم، وتدعونه للنصر علـيهم. فـاسْتَـجابَ لَكُمْ

يقول: فأجاب دعاءكم بأنـي مـمدكم بألف من الـملائكة يُردف بعضهم بعضا ويتلو بعضهم بعضا.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل وجاءت الرواية عن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. ذكر الأخبـار بذلك.

١٢٢٩٧ـ حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: حدثنا عبد اللّه بن الـمبـارك، عن عكرمة بن عمار، قال: ثنـي سماك الـحنفـي، قال: سمعت ابن عبـاس

يقول: ثنـي عمر بن الـخطاب رضي اللّه عنه قال: لـما كان يوم بدر ونظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلـى الـمشركين وعدتهم، ونظر إلـى أصحابه نـيفـا علـى ثلاث مئة، فـاستقبل القبلة، فجعل يدعو و

يقول: (اللهمّ أنْـجِزْ لـي ما وَعَدَتْنـي اللّه مّ إنْ تَهْلِكَ هَذهِ العِصَابَةُ مِنْ أهْلِ الإسْلامِ، لا تُعْبَدْ فِـي الأرْضِ) فلـم يزل كذلك حتـى سقط رداؤه، وأخذه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، فوضع رداءه علـيه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: كفـاك يا نبـيّ اللّه بأبـي وأمي مناشدتك ربك، فإنه سينـجز لك ما وعدك فأنزل اللّه : إذْ تَسْتَغِثُونَ رَبّكُمْ فـاسْتَـجابَ لَكُمْ أنّـي مُـمِدّكُمْ بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ.

١٢٢٩٨ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس ، قال: لـما اصطفّ القوم، قال أبو جهل: اللهمّ أولانا بـالـحقّ فـانصره ورفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يده، فقال: (يا رَبّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ فَلَنْ تُعْبَدَ فِـي الأرْضِ أبَدا) .

١٢٢٩٩ـ حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس ، قال: قام النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم، فقال: (اللّه مّ رَبّنا أنْزَلْتَ عَلـيّ الكِتابَ، وأمَرْتَنِـي بـالقِتالِ، وَوَعَدْتَنِـي بـالنّصْرِ، وَلا تُـخْـلِفُ الـمِيعادَ) فأتاهُ جِبرِيـل علـيه السلام، فأنزل اللّه : ألَنْ يَكْفِـيَكُمْ أنْ يُـمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُنْزَلِـينَ بَلـى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا وَيأتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُـمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُسَوّمِينَ.

١٢٣٠٠ـ حدثنـي أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن ابن إسحاق، عن زيد بن يُثَـيْع قال: كان أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فـي العريش، فجعل النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو،

يقول: (اللّه مّ انْصُرْ هَذِهِ العِصَابَةَ، فإنّكَ إنْ لَـمْ تَفْعَلْ لَنْ تُعْبَدَ فـي الأرْض) قال: فقال أبو بكر: بَعْضَ مناشدتك منـجزك ما وعدك.

١٢٣٠١ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أقبل النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو اللّه ويستغيثه ويستنصره، فأنزل اللّه علـيه الـملائكة.

١٢٣٠٢ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ قال: دعا النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم.

١٢٣٠٣ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ: أي بدعائكم حين نظروا إلـى كثرة عدوّهم وقلة عددهم، فـاستـجاب لكم بدعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودعائكم معه.

١٢٣٠٤ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبـي حصين، عن أبـي صالـح، قال: لـما كان يوم بدر، جعل النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم يناشد ربه أشدّ النشدة، يدعو فأتاه عمر بن الـخطاب رضي اللّه عنه فقال: يا رسول اللّه بعض نشدتك، فواللّه لـيفـينّ اللّه لك بـما وعدك.

وأما قوله: أنّـي مُـمِدّكُمْ بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ فقد بـينا معناه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

١٢٣٠٥ـ حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس : أنّـي مُـمِدّكُمْ بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ

يقول: الـمزيد، كما تقول: ائت الرجل فزده كذا وكذا.

١٢٣٠٦ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أحمد بن بشير، عن هارون بن عنترة، عن أبـيه، عن ابن عبـاس : مُرْدِفِـينَ قال: متتابعين.

قال: ثنـي أبـي، عن سفـيان، عن هارون بن عنترة، عن ابن عبـاس ، مثله.

١٢٣٠٧ـ حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: حدثنا مـحمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس : مُـمِدّكُمْ بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ قال: وراء كلّ ملك ملك.

حدثنـي ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبـي كدينة يحيى بن الـمهلب، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس : مُرْدِفِـينَ قال: متتابعين.

١٢٣٠٨ـ قال: حدثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج بن أرطأة، عن قابوس، قال: سمعت أبـا ظبـيان

يقول: مُرْدِفِـينَ قال: الـملائكة بعضهم علـى إثر بعض.

١٢٣٠٩ـ قال: حدثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك ، قال: مُرْدِفِـينَ قال: بعضهم علـى إثر بعض.

١٢٣١٠ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد اللّه ، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

١٢٣١١ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: مُرْدِفِـينَ قال: مـمدين. قال ابن جريج، عن عبد اللّه بن كثـير قال: مُرْدِفِـينَ الإرداف: الإمداد بهم.

١٢٣١٢ـ حدثنـي بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ أي متتابعين.

١٢٣١٣ـ حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: حدثنا مـحمد بن ثور، قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ: بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ يتبع بعضهم بعضا.

١٢٣١٤ـ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: مُرْدِفِـينَ قال: الـمردفـين بعضهم علـى إثر بعض، يتبع بعضهم بعضا.

١٢٣١٥ـ حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: حدثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ

يقول: متتابعين يوم بدر.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة: (مُرْدَفِـينَ) بنصب الدال. وقرأه بعض الـمكيـين وعامّة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين: مُرْدِفِـينَ. وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك، ويقول فـيـما ذُكر عنه: هو من أردف بعضهم بعضا. وأنكر هذا القول من قول أبـي عمرو بعض أهل العلـم بكلام العرب، وقال: إنـما الإرداف: أن يحمل الرجل صاحبه خـلفه، قال: ولـم يسمع هذا فـي نعت الـملائكة يوم بدر.

واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي معنى ذلك إذا قرىء بفتـح الدال أو بكسرها، فقال بعض البصريـين والكوفـيـين: معنى ذلك إذا قرىء بـالكسر أن الـملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضا علـى لغة من قال: أردفته وقالوا: العرب تقول: أردفته وردفته، بـمعنى: تبعته وأتبعته. واستشهد لصحة قولهم ذلك بـما قال الشاعر:

إذَا الـجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثّرَيّاظَنَنْتُ بِآلِ فـاطِمَة الظّنُونا

قالوا: فقال الشاعر: (أردفت) ، وإنـما أراد (ردفتُ) جاءت بعدها، لأن الـجوزاء تـجىء بعد الثريا. وقالوا معناه إذا قرىء مُرْدَفِـينَ أنه مفعول بهم، كأن معناه: بألف من الـملائكة يُردف اللّه بعضهم بعضا.

وقال آخرون: معنى ذلك إذا كسرت الدال: أردفت الـملائكة بعضها بعضا، وإذا قرىء بفتـحها: أردف اللّه الـمسلـمين بهم.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ بكسر الدال لإجماع أهل التأويـل علـى ما ذكرت من تأويـلهم أن معناه: يتبع بعضهم بعضا ومتتابعين. ففـي إجماعهم علـى ذلك من التأويـل الدلـيـل الواضح علـى أن الصحيح من القراءة ما اخترنا فـي ذلك من كسر الدال، بـمعنى: أردف بعض الـملائكة بعضا، ومسموع من العرب: جئت مِرْدِفـا لفلان: أي جئت بعده.

وأما قول من قال: معنى ذلك إذا قرىء (مُرْدَفِـينَ) بفتـح الدال: أن اللّه أردف الـمسلـمين بهم، فقول لا معنى له إذ الذكر الذي فـي مردفـين من الـملائكة دون الـمؤمنـين.

وإنـما معنى الكلام: أن يـمدّكم بألف من الـملائكة يردَف بعضهم ببعض، ثم حذف ذكر الفـاعل، وأخرج الـخبر غير مسمى فـاعله، فقـيـل: مُرْدَفِـينَ بـمعنى: مردَف بعضُ الـملائكة ببعض، ولو كان الأمر علـى ما قاله من ذكرنا قوله وجب أن يكون فـي الـمردَفـين ذكر الـمسلـمين لا ذكر الـملائكة، وذلك خلاف ما دلّ علـيه ظاهر القرآن.

وقد ذكر فـي ذلك قراءة أخرى، وهي ما:

١٢٣١٦ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: قال عبد اللّه بن يزيد: (مُرْدِفِـينَ) ، ومُرْدَفِـينَ و (مُرْدّفِـينَ) ، مثقل علـى معنى: مُرْتَدِفـين.

١٢٣١٧ـ حدثنا الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا يعقوب بن مـحمد الزهري، قال: ثنـي عبد العزيز بن عمران عن الربعي، عن أبـي الـحويرث، عن مـحمد بن جبـير، عن علـيّ رضي اللّه عنه، قال: نزل جبريـل فـي ألف من الـملائكة عن ميـمنة النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم، وفـيها أبو بكر رضي اللّه عنه، ونزل ميكائيـل علـيه السلام فـي ألف من الـملائكة عن ميسرة النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم، وأنا فـيها.

﴿ ٩