١٢وأما قوله: إذْ يُوحي رَبّكَ إلـى الَـملائِكَةِ أنّـي مَعَكُمْ أنصركم، فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا يقول: قوّوا عزمهم، وصححوا نـياتهم فـي قتال عدوّهم من الـمشركين. وقد قـيـل: إن تثبـيت الـملائكة الـمؤمنـين كان حضورهم حربهم معهم، وقـيـل: كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم، وقـيـل: كان ذلك بأن الـملك يأتـي الرجل من أصحاب النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول: سمعت هؤلاء القوم، يعني الـمشركين يقولون: واللّه لئن حملوا علـينا لننكشفن، فـيحدث الـمسلـمون بعضهم بعضا بذلك، فتقوى أنفسهم. قالوا: وذلك كان وحيَ اللّه إلـى ملائكته. وأما ابن إسحاق، فإنه قال بـما: ١٢٣٣٥ـ حدثنا بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا أي فآزروا الذين آمنوا. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: سأُلْقِـي فِـي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ. يقول تعالـى ذكره: سأرعب قلوب الذين كفروا بـي أيها الـمؤمنون منكم، وأملؤها فَرَقا حتـى ينهزموا عنكم، فـاضربوا فوق الأعناق واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: فَوْقَ الأعْناقِ فقال بعضهم: معناه: فـاضربوا الأعناق. ذكر من قال ذلك: ١٢٣٣٦ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية: فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ قال: اضربوا الأعناق. ١٢٣٣٧ـ قال: حدثنا أبـي، عن الـمسعودي، عن القاسم، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنّـي لَـمْ أُبْعَثْ لاِعَذّبَ بِعَذَابِ اللّه ، إنّـما بُعِثْتُ لِضَرْبِ الأعْناقِ وَشَدّ الوثاقِ) . ١٢٣٣٨ـ حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: حدثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ يقول: اضربوا الرقاب. واحتـجّ قائلو هذه الـمقالة بأن العرب تقول: رأيت نفس فلان، بـمعنى رأيته، قالوا: فكذلك قوله: فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ إنـما معناه: فـاضربوا الأعناق. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فـاضربوا الرءوس. ذكر من قال ذلك: ١٢٣٣٩ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: وحدثنا الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة: فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ قال: الرءوس. واعتلّ قائلو هذه الـمقالة بأن الذي فوق الأعناق: الرءوس، وقالوا: وغير جائز أن تقول: فوق الأعناق، فـيكون معناه: الأعناق. قالوا: ولو جاز كان أن يقال تـحت الأعناق، فـيكون معناه: الأعناق. قالوا: وذلك خلاف الـمعقول من الـخطاب، وقلب معانـي الكلام. وقال آخرون: معنى ذلك: فـاضربوا علـى الأعناق. وقالوا: (علـى) و (فوق) معناهما متقاربـان، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الاَخر. والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن اللّه أمر الـمؤمنـين معلـمهم كيفـية قتل الـمشركين وضربهم بـالسيف أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل وقوله: فَوْقَ الأعْناقِ مـحتـمل أن يكون مرادا به الرءوس، ومـحتـمل أن يكون مرادا به فوق جلدة الأعناق، فـيكون معناه: علـى الأعناق وإذا احتـمل ذلك صحّ قول من قال: معناه: الأعناق. وإذا كان الأمر مـحتـملاً ما ذكرنا من التأويـل، لـم يكن لنا أن نوجهه إلـى بعض معانـيه دون بعض إلاّ بحجة يجب التسلـيـم لها، ولا حجة تدلّ علـى خصوصه، فـالواجب أن يقال: إن اللّه أمر بضرب رءوس الـمشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم أصحاب نبـيه صلى اللّه عليه وسلم الذين شهدوا معه بدرا. وأما قوله: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ فإن معناه: واضربوا أيها الـمؤمنون من عدوّكم كلّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم. والبنان: جمع بنانة، وهي أطراف أصابع الـيدين والرجلـين، ومن ذلك قول الشاعر: ألا لَـيْتَنِـي قَطّعْتُ مِنّـي بَنانَةًوَلاقَـيْتُهُ فِـي البَـيْتِ يَقْظانَ حاذِرَا يعني بـالبنانة: واحدة البنان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: ١٢٣٤٠ـ حدثنا أبو السائب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال: كلّ مفصل. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال: الـمفـاصل. ١٢٣٤١ـ قال: حدثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال: كلّ مفصل. ١٢٣٤٢ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الـحسن، عن يزيد، عن عكرمة: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال: الأطراف، ويقال: كلّ مفصل. ١٢٣٤٣ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ يعني بـالبنان: الأطراف. ١٢٣٤٤ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال: الأطراف. ١٢٣٤٥ـ حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: حدثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ يعني الأطراف. |
﴿ ١٢ ﴾