١٦وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ يقول: ومن يولهم منكم ظهره إلا مُتَـحَرّفـا لِقتَالٍ يقول: إلا مستطردا لقتال عدوّه بطلب عورة له يـمكنه إصابتها فـيكرّ علـيه أو مُتَـحَيّزا إلـى فِئَةٍ أو إلا أن يولـيهم ظهره متـحيزا إلـى فئة، يقول: صائرا إلـى حيز الـمؤمنـين الذين يفـيئون به معهم إلـيهم لقتالهم ويرجعون به معهم إلـيهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: ١٢٣٤٦ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك : إلاّ مُتَـحَرّفـا لِقِتالٍ أوْ مُتَـحيّزا إلـى فِئَةٍ قال: الـمتـحرّف: الـمتقدّم من أصحابه لـيرى غرّة من العدوّ فـيصيبها. قال: والـمتـحيز: الفـارّ إلـى النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه، وكذلك من فرّ الـيوم إلـى أميره أو أصحابه. قال الضحاك : وإنـما هذا وعيد من اللّه لأصحاب مـحمد صلى اللّه عليه وسلم أن لا يفرّوا، وإنـما كان النبـيّ علـيه الصلاة والسلام فئتهم. ١٢٣٤٧ـ حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: حدثنا أحمد بن الـمفضل، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتَـحَرّفـا لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيّزًا إلـى فِئَةٍ أما الـمتـحرّف يقول: إلاّ مستطردا، يريد العودة. أوْ مُتَـحيّزا إلـى فِئَةٍ قال: الـمتـحيز إلـى الإمام وجنده إن هو كرّ فلـم يكن له بهم طاقة، ولا يعذر الناس وإن كثروا أن يولوا عن الإمام. واختلف أهل العلـم فـي حكم قول اللّه عزّ وجلّ: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتَـحَرّفـا لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيّزًا إلـى فِئَةٍ فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّه ومَأْوَاهُ جَهَنّـمُ هل هو خاصّ فـي أهل بدر، أم هو فـي الـمؤمنـين جميعا؟ فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة، لأنه لـم يكن لهم أن يتركوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع عدوّه وينهزموا عنه فأما الـيوم فلهم الانهزام. ذكر من قال ذلك: ١٢٣٤٨ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: حدثنا عبد الأعلـى، قال: حدثنا داود، عن أبـي نضرة، في قول اللّه عز وجل: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: ذاك يوم بدر، ولـم يكن لهم أن ينـحازوا، ولو انـحاز أحد لـم ينـحز إلاّ إلـيّ. قال أبو موسى: يعني إلـى الـمشركين. ١٢٣٤٩ـ حدثنا إسحاق بن شاهين، قال: حدثنا خالد، عن داود، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد، قوله عزّ وجلّ: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ثم ذكر نـحوه، إلاّ أنه قال: ولو انـحازوا انـحازوا إلـى الـمشركين، ولـم يكن يومئذٍ مسلـم فـي الأرض غيرهم. ١٢٣٥٠ـ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن مفضل، قال: حدثنا داود، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد، قال: نزلت فـي يوم بدر: وَمَنْ يُوَلهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ. حدثنـي ابن الـمثنى، وعلـيّ بن مسلـم الطوسي، قال ابن الـمثنى: ثنـي عبد الصمد، وقال علـيّ: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا شعبة، عن داود، يعني ابن أبـي هند، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: يوم بدر. قال أبو موسى: حُدثت أن فـي كتاب غندر هذا الـحديث، عن داود، عن الشعبـي، عن أبـي سعيد. حدثنا أحمد بن مـحمد الطوسي، قال: حدثنا علـيّ بن عاصم، عن داود بن أبـي هند، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد الـخدريّ، قال: إنـما كان ذلك يوم بدر لـم يكن للـمسلـمين فئة إلاّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأما بعد ذلك، فإن الـمسلـمين بعضهم فئة لبعض. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عبد الأعلـى، قال: حدثنا داود، عن أبـي نضرة: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: هذه نزلت فـي أهل بدر. ١٢٣٥١ـ حدثنا يعقوب، قال: حدثنا ابن علـية، عن ابن عون، قال: كتبت إلـى نافع أسأله، عن قوله: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ أكان ذلك الـيوم أم هو بعد؟ قال: وكتب إلـيّ: إنـما كان ذلك يوم بدر. ١٢٣٥٢ـ حدثنا علـيّ بن سهل، قال: حدثنا زيد، عن سفـيان، عن جويبر، عن الضحاك ، قال: إنـما كان الفرار يوم بدر، ولـم يكن لهم ملـجأ يـلـجئون إلـيه، فأما الـيوم فلـيس فرار. ١٢٣٥٣ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبـي، عن الربـيع، عن الـحسن: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: كانت هذه يوم بدر خاصة، لـيس الفرار من الزحف من الكبـائر. ١٢٣٥٤ـ قال: حدثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن الضحاك وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: كانت هذه يوم بدر خاصة، قال: حدثنا روح بن عبـادة، عن حبـيب بن الشهيد، عن الـحسن وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: نزلت فـي أهل بدر. ١٢٣٥٥ـ حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: ذلكم يوم بدر. حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك عن الـمبـارك بن فضالة، عن الـحسن وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: ذلك يوم بدر، فأما الـيوم فإن انـحاز إلـى فئة أو مصر أحسبه قال: فلا بأس به. حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا قبـيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفـيان، عن ابن عون، قال: كتبت إلـى نافع وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ؟ قال: إنـما هذا يوم بدر. ١٢٣٥٦ـ حدثنـي الـمثتـى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا ابن الـمبـارك، عن ابن لهيعة، قال: ثنـي يزيد بن أبـي حبـيب، قال: أوجب اللّه لـمن فرّ يوم بدر النار، قال: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتَـحَرّفـا لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيّزا إلـى فِئَةٍ فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّه فلـما كان يوم أُحد بعد ذلك قال: إنّـمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفـا اللّه عَنْهُمْ ثم كان حنـين بعد ذلك بسبع سنـين، فقال ثُمّ وَلّـيتُـمْ مُدْبِرِينَ ثُمّ يَتُوبُ اللّه مِنْ بَعْدِ ذلكَ عَلـى مَنْ يَشاءُ. ١٢٣٥٧ـ حدثنـي يعقوب، قال: حدثنا ابن علـية، قال: حدثنا ابن عون، عن مـحمد، أن عمر رضي اللّه عنه بلغه قتل أبـي عبـيد، فقال: لو تـحيز إلـيّ لكنت له فئة. ١٢٣٥٨ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا سويد، قال: حدثنا ابن الـمبـارك، عن جرير بن حازم، قال: ثنـي قـيس بن سعيد، قال: سألت عطاء بن أبـي ربـاح، عن قوله: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قال: هذه منسوخة بـالاَية التـي فـي الأنفـال: الاَنَ خَفّفَ اللّه عَنْكُمْ وَعَلِـمَ أنّ فِـيكُمْ ضَعْفـا فإنْ يَكُنْ مِنْكُم مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَـيْنِ قال: ولـيس لقوم أن يفروا من مثلـيهم. قال: ونسخت تلك إلاّ هذه العدّة. حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سلـيـمان التـيـمي، عن أبـي عثمان، قال: لـما قتل أبو عبـيد جاء الـخبر إلـى عمر، فقال: يا أيها الناس أنا فئتكم. قال ابن الـمبـارك، عن معمر وسفـيان الثوري وابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: قال عمر رضي اللّه عنه: أنا فئة كلّ مسلـم. وقال آخرون: بل هذه الاَية حكمها عام فـي كلّ من ولـى الدبر عن العدوّ منهزما. ذكر من قال ذلك. ١٢٣٥٩ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس ، قال: أكبر الكبـائر: الشرك بـالله، والفرار من الزحف لأن اللّه عزّ وجل يقول: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ... فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّه وَمأْوَاهُ جَهَنّـمُ وَبِئْسَ الـمَصِير. وأولـى التأويـلـين فـي هذه الاَية بـالصواب: عندي قول من قال: حكمها مـحكم، وأنها نزلت فـي أهل بدر، وحكمها ثابت فـي جميع الـمؤمنـين، وأن اللّه حرّم علـى الـمؤمنـين إذا لقوا العدوّ أن يولوهم الدبر منهزمين، إلاّ لتـحرّف القتال، أو لتـحيز إلـى فئة من الـمؤمنـين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزما بغير نـية إحدى الـخـلتـين اللتـين أبـاح اللّه التولـية بهما، فقد استوجب من اللّه وعيده إلاّ أن يتفضل علـيه بعفوه. وإنـما قلنا هي مـحكمة غير منسوخة، لـما قد بـيّنا فـي غير موضع من كتابنا هذا وغيره أنه لا يجوز أن يحكم لـحكم آية بنسخ وله فـي غير النسخ وجه إلاّ بحجة يجب التسلـيـم لها من خبر يقطع العذر أو حجة عقل، ولا حجة من هذين الـمعنـيـين تدلّ علـى نسخ حكم قول اللّه عزّ وجلّ: وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتَـحَرفـا لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيّزا إلـى فِئَةٍ. وأما قوله: فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّه يقول: فقد رجع بغضب من اللّه ، ومَأْوَاهُ جَهَنّـمُ يقول: ومصيره الذي يصير إلـيه فـي معاده يوم القـيامة جهنـم وبئس الـمصير، يقول: وبئس الـموضع الذي يصير إلـيه ذلك الـمصير. |
﴿ ١٦ ﴾