١٥

القول في تأويل قوله تعالى:{وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّه عَلَىَ مَن يَشَآءُ وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.

يقول تعالى ذكره: قاتلوا أيها المؤمنون باللّه ورسوله هؤلاء المشركين الذين نكثوا أيمانهم ونقضوا عهودهم بينكم وبينهم، وأخرجوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بين أظهرهم. يُعَذّبْهُمُ اللّه بأيْدِيكُم

يقول: يقتلهم اللّه بأيديكم. ويُخْزِهِمْ

يقول: ويذلهم بالأسر والقهر. وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ فيعطيكم الظفر عليهم والغلبة. وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ

يقول: ويبرىء داء صدور قوم مؤمنين باللّه ورسوله بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم وإذلالكم وقهركم إياهم، وذلك الداء هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموجدة بما كانوا ينالونهم به من الأذى والمكروه. وقيل: إن اللّه عنى ب قوله: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ: صدور خزاعة حلفاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وذلك أن قريشا نقضوا العهد بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمعونتهم بكرا عليهم. ذكر من قال ذلك:

١٢٩٢٠ـ حدثنا محمد بن المثنى وابن وكيع قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قال: خزاعة.

١٢٩٢١ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السديّ: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قال خزاعة يشف صدورهم من بني بكر.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، مثله.

١٢٩٢٢ـ حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ خزاعة حلفاء محمد صلى اللّه عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد اللّه بن كثير، عن مجاهد: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قال: حلفاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خزاعة.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

يقول اللّه تعالى ذكره: ويذهب وجد قلوب هؤلاء القوم المؤمنين من خزاعة، على هؤلاء القوم الذين نكثوا أيمانهم من المشركين وغمها وكربها بما فيها من الوجد عليهم، بمعونتهم بكرا. كما:

١٢٩٢٣ـ حدثني ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السديّ: وَيُذْهبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ حين قتلهم بنو بكر وأعانتهم قريش.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، مثله، إلا أنه قال: وأعانهم عليهم قريش.

وأما قوله: وَيَتُوبُ اللّه على مَنْ يَشاءُ فإنه خبر مبتدأ، ولذلك رفع وجزم الأحرف الثلاثة قبل ذلك على وجه المجازاة، كأنه قال: قاتلوهم فإنكم إن تقاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم. ثم ابتدأ فقال: وَيَتُوبُ اللّه على مَنْ يَشاءُ لأن القتال غير موجب لهم التوبة من اللّه ، وهو موجب لهم العذاب من اللّه والخزي وشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم، فجزم ذلك شرطا وجزاءً على القتال، ولم يكن موجبا القتال التوبة، فابُتِدىء الحكم به ورُفع.

ومعنى الكلام: ويمنّ اللّه على من يشاء من عباده الكافرين، فيقبل به إلى التوبة بتوفيقه إياه، واللّه عليم بسرائر عباده ومن هو للتوبة أهل فيتوب عليه، ومن منهم غير أهل لها فيخذله، حكيم في تصريف عباده من حال كفر إلى حال إيمان بتوفيق من وفقه لذلك، ومن حال إيمان إلى كفر بخذلانه من خذل منهم عن طاعته وتوحيده، وغير ذلك من أمرهم.

﴿ ١٥