٣٦

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنّيَ أَرَانِيَ أَعْصِرُ خَمْراً ...}.

يقول تعالـى ذكره: ودخـل مع يوسف السجن فتـيان، فدلّ بذلك علـى متروك قد ترك من الكلام وهو:ثُمّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الاَياتِ لَـيَسْجُنُنّهُ حتـى حِينٍ فسجنوه وأدخـلوه السجن ودخـل معه فتـيان، فـاستغنى بدلـيـل قوله: وَدَخَـلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَـيانِ علـى إدخالهم يوسف السجن من ذكره. وكان الفتـيان فـيـما ذكر: غلامين من غلـمان ملك مصر الأكبر: أحدهما صاحب شرابه، والاَخر صاحب طعامه. كما:

١٤٧٨٦ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: فطرح فـي السجن، يعني يوسف، ودخـل معه السجن فتـيان، غلامان كانا للـملك الأكبر: الريان بن الولـيد، كان أحدهما علـى شرابه، والاَخر علـى بعض أمره، فـي سخطة سخطها علـيهما، اسم أحدهما مـجلث والاَخر نبو، ونبو الذي كان علـى الشراب.

١٤٧٨٧ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: وَدَخَـلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَـيانِ قال: كان أحدهما خبـازا للـملك علـى طعامه، وكان الاَخر ساقـيه علـى شرابه.

وكان سبب حبس الـملك الفتـيـين فـيـما ذكر، ما:

١٤٧٨٨ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: إن الـملك غضب علـى خبـازه، بلغه أنه يريد أن يسمّه، فحبسه وحبس صاحب شرابه، ظنّ أنه مالأه علـى ذلك فحبسهما جميعا فذلك قول اللّه تعالـى ودخـل معه السجن فتـيان.

وقوله: قالَ أحَدُهُما إنّـي أرَانِـي أعْصِرُ خَمْرا ذكر أن يوسف صلوات اللّه وسلامه علـيه لـما أدخـل السجن، قال لـمن فـيه من الـمـحبّسين، وسألوه عن عمله: إنـي أعبر الرؤيا، فقال أحد الفتـيـين اللذين أدخلا معه السجن لصاحبه: تعال فلنـجرّبه. كما:

١٤٧٨٩ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن مـحمد، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما دخـل يوسف السجن قال: أنا أعبر الأحلام. فقال أحد الفتـيـين لصاحبه: هلـمّ نـجرّب هذا العبد العبرانـيّ نتراءى له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا. فقال الـخبـاز: إنـي أرانـي أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، وقال الاَخر: إنـي أرانـي أعصر خمرا.

١٤٧٩٠ـ حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيـم، عن عبد اللّه ، قال: ما رأى صاحبـا يوسف شيئا، وإنـما كانا تـحالُـما لـيجرّبـا علـمه.

وقال قوم: إنـما سأله الفتـيان عن رؤيا كانا رأياها علـى صحة وحقـيقة، وعلـى تصديق منهما لـيوسف لعلـمه بتعبـيرها. ذكر من قال ذلك:

١٤٧٩١ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما رأى الفتـيان يوسف، قالا: واللّه يا فتـى لقد أحببناك حين رأيناك.

١٤٧٩٢ـ قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن عبد اللّه ، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: أن يوسف قال لهم حين قالا له ذلك: أنشدكما اللّه أن لا تـحبـانـي فواللّه ما أحبنـي أحد قطّ إلا دخـل علـيّ من حبه بلاء، لقد أحبتنـي عمتـي فدخـل علـيّ من حبها بلاء، ثم لقد أحبنـي أبـي فدخـل علـيّ بحبه بلاء، ثم لقد أحبتنـي زوجة صاحبـي هذا فدخـل علـيّ بحبها إياي بلاء، فلا تـحبـانـي بـارك اللّه فـيكما قال: فأبـيا إلا حبه وإلفه حيث كان، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله، وقد كانا رأيا حين أدخلا السجن رؤيا، فرأى (مـجلث) أنه يحمل فوق رأسه، خبزا تأكل الطير منه، ورأى (نبو) أنه يعصر خمرا، فـاستفتـياه فـيها وقالا له: نَبّئْنا بتأْوِيـلِهِ إنّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ إن فعلت.

وعنـي ب قوله: أعْصِرُ خَمْرا أي إنـي أرى فـي نومي أنـي أعصر عنبـا. وكذلك ذلك فـي قراءة ابن مسعود فـيـما ذكر عنه.

١٤٧٩٣ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبـي، عن أبـي سلـمة الصائغ، عن إبراهيـم بن بشير الأنصاريّ، عن مـحمد بن الـحنفـية قال فـي قراءة ابن مسعود: (إنّـي أَرَانِـي أعْصِرُ عِنَبـا) .

وذكر أن ذلك من لغة أهل عُمان، وأنهم يسمون العنب خمرا. ذكر من قال ذلك:

١٤٧٩٤ـ حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ،

يقول: حدثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: إنّـي أرَانـي أعْصِرُ خَمْرا

يقول: أعصر عنبـا، وهو بلغة أهل عُمان، يسمون العنب خمرا.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع وثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك : إنّـي أرَانـي أعْصِرُ خَمْرا قال: عنبـا، أرض كذا وكذا يدعون العنب خمرا.

١٤٧٩٥ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس : إنّـي أرَانـي أعْصِرُ خَمْرا قال: عنبـا.

١٤٧٩٦ـ حُدثت عن الـمسيب بن شريك، عن أبـي حمزة، عن عكرمة، قال: أتاه فقال: رأيت فـيـما يرى النائم أنـي غرست حَبَلَةً من عنب، فنبتت، فخرج فـيه عناقـيد فعصرتهن، ثم سقـيتهنّ الـملك، فقال: تـمكث فـي السجن ثلاثة أيام، ثم تـخرج فتسقـيه خمرا.

وقوله: وَقالَ الاَخَرُ إنْـي أرَانِـي أحْمِلُ فَوْقَ رأسِي خُبْزا تَأْكُلُ الطّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنا بتأْوِيـلهِ

يقول تعالـى ذكره: وقال الاَخر من الفتـيـين: إنـي أرانـي فـي منامي أحمل فوق رأسي خبزا

يقول: أحمل علـى رأسي، فوضعت (فوق) مكان (علـى) تَأْكُلُ الطّيْرُ مِنْهُ يعني من الـخبز.

وقوله: نَبّئْنا بتَأْوِيـلِهِ

يقول: أخبرنا بـما يؤول إلـيه ما أخبرناك أنا رأيناه فـي منامنا ويرجع إلـيه. كما:

١٤٧٩٧ـ حدثنـي الـحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا يزيد، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: نَبّئْنا بتَأْوِيـلِهِ قال: به. قال الـحارث، قال أبو عبـيد: يعني مـجاهد: أن تأويـل الشيء: هو الشيء. قال: ومنه تأويـل الرؤيا، إنـما هو الشيء الذي تئول إلـيه.

وقوله: إنّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ اختلف أهل التأويـل فـي معنى الإحسان الذي وصف به الفتـيان يوسف،

فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم، ويعزي حزينهم، وإذا احتاج منهم إنسان جمَع له. ذكر من قال ذلك:

١٤٧٩٨ـ حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا خـلف بن خـلـيفة، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: كنت جالسا معه ببلـخ، فسئل عن قوله: نَبّئْنا بَتأْوِيـلِهِ إنّا نَرَاكَ مِن الـمُـحْسِنِـينَ قال:

قـيـل له: ما كان إحسان يوسف؟ قال: كان إذا مرض إنسان قام علـيه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق أوسع له.

حدثنا إسحاق، عن أبـي إسرائيـل، قال: حدثنا خـلف بن خـلـيفة، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك ، قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: إنّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان فـي السجن قام علـيه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق علـيه الـمكان أوسع له.

١٤٧٩٩ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد اللّه ، عن قتادة، قوله: إنّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم، ويعزّي حزينهم، ويجتهد لربه. وقال: لـما انتهى يوسف إلـى السجن وجد فـيه قوما قد انقطع رجاؤهم واشتدّ بلاؤهم، فطال حزنهم، فجعل

يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، إن لهذا أجرا، إن لهذا ثوابـا فقالوا: يا فتـى بـارك اللّه فـيك ما أحسن وجهك وأحسن خـلقك، لقد بورك لنا فـي جوارك، ما نـحبّ أنا كنا فـي غير هذا منذ حبسنا لـما تـخبرنا من الأجر والكفّـارة والطهارة، فمن أنت يا فتـى؟ قال: أنا يوسف ابن صفـيّ اللّه يعقوب ابن ذبـيح اللّه إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل اللّه . وكانت علـيه مـحبة، وقال له عامل السجن: يا فتـى واللّه لو استطعت لـخـلـيت سبـيـلك، ولكن سأحسن جوارك وأحسن إسارك، فكن فـي أيّ بـيوت السجن شئت.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن خـلف الأشجعي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك فـي: إنّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ قال: كان يوسع للرجل فـي مـجلسه، ويتعاهد الـمرضى.

وقال آخرون: معناه: إنّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ إذ نبأتنا بتأويـل رؤيانا هذه. ذكر من قال ذلك:

١٤٨٠٠ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: استفتـياه فـي رؤياهما، وقالا له: نَبَئّنْا بتَأْوِيـلِهِ إنّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ إن فعلت.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.

فإن قال قائل: وما وجه الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علـمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويـل رؤياهما لـيست من الـخبر عن صفته بأنه يعود الـمريض ويقوم علـيه ويحسن إلـى من احتاج فـي شيء، وإنـما يقال للرجل: نبئنا بتأويـل هذا فإنك عالـم، وهذا من الـمواضع التـي تـحسن بـالوصف بـالعلـم لا بغيره؟

قـيـل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويـل رؤيانا مـحسنا إلـينا فـي إخبـارك إيانا بذلك، كما نراك تـحسن فـي سائر أفعالك، إنا نراك من الـمـحسنـين.

﴿ ٣٦