٢٥

وقوله: تُؤْتِـي أُكُلَها كُلّ حِينٍ بـاذْنِ رَبّها

يقول: تطعم ما يؤكل منها من ثمرها، كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّها

وَيَضْرِبُ الأمْثالَ للنّاسِ يقول: ويـمثّل اللّه الأمثال للناس ويشبه لهم الأشياء،

لَعَلّهُمْ يَتَذّكّرُونَ يقول: لـيتذكروا حجة اللّه علـيهم، فـيعتبروا بها ويتعظوا، فـينزجروا عما هم علـيه من الكفر به إلـى الإيـمان.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ بـالكلـمة الطيبة،

فقال بعضهم: عُنـي بها: إيـمان الـمؤمن. ذكر من قال ذلك:

١٥٦٨٩ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس ، قوله: كَلـمَةً طَيّبَةً شهادة أن لا إله إلا اللّه ، كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ وهو الـمؤمن، أصْلُها ثابتٌ

يقول: لا إله إلا اللّه ثابت فـي قلب الـمؤمن، وَفَرْعُها فِـي السّماءِ

يقول: يرفع بها عمل الـمؤمن إلـى السماء.

١٥٦٩٠ـ حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: كَلَـمَةً طَيّبَةً قال: هذا مثل الإيـمان، فـالإيـمان: الشجرة الطيبة، وأصله الثابت الذي لا يزول: الإخلاص لله، وفرعه فـي السماء، فرعه: خشية اللّه .

١٥٦٩١ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: ألَـمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّه مَثَلاً كَلـمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ قال: كنـخـلة.

قال ابن جريج: وقال آخرون: الكلـمة الطيبة أصلها ثابت فـي ذات أصل فـي القلب وَفَرْعُها فِـي السّماءِ تعرج فلا تـحجب حتـى تنتهي إلـى اللّه .

وقال آخرون: بل عُنـي بها الـمؤمن نفسه. ذكر من قال ذلك:

١٥٦٩٢ـ حدثنـي مـحمد بن سعيد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: ألَـمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّه مَثَلاً كَلِـمَةً طَيّبَةً كَشَجرَةٍ طَيّبَةٍ

أصْلُها ثابَتٌ وَفَرْعُها فِـي السّماءِ

تُؤْتِـي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بـاذْنِ رَبّها، يعني بـالشجرة الطيبة: الـمؤمن، و يعني بـالأصل الثابت: فـي الأرض، وبـالفرع فـي السماء: يكون الـمؤمن يعمل فـي الأرض، ويتكلـم فـيبلغ عمله وقوله السماء وهو فـي الأرض.

١٥٦٩٣ـ حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا مـحمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبـاس ، قال: كان قوم من أهل مكة أسلـموا، وكانوا يستـخفون بـالإسلام، فأخرجهم الـمشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقُتل بعض، فقال الـمسلـمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلـمين وأُكرهوا فـاستغفروا لهم فنزلت: إنّ الّذِينَ تَوَفّـاهُمُ الـمَلائكَةُ ظالِـمي أنْفُسِهمْ... إلـى آخر الاَية قال: وكتب إلـى من بقـي بـمكة من الـمسلـمين هذه الاَية لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلـحقهم الـمشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الاَية: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بـاللّه فإذَا أُوذِيَ فِـي اللّه جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذَابِ اللّه ... إلـى آخر الاَية، فكتب الـمسلـمون إلـيهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كلّ خير، ثم نزلت فـيهم: ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنّ رَبّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ فكتبوا إلـيهم بذلك: إن اللّه قد جعل لكم مخرجا. فخرجوا، فأدركهم الـمشركون فقاتلوهم، ثم نـجا من نـجا وقُتل من قُتل.

١٥٦٩٤ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: نزلت هذه الاَية فـي عمّار بن ياسر وعياش بن أبـي ربـيعة والولـيد بن الولـيد: ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الاَية فـي شأن ابن أبـي سرح. ذكر من قال ذلك:

١٥٦٩٥ـ حدثنـي ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، عن الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة والـحسن البصري، قالا فـي سورة النـحل: مَنْ كَفَرَ بـاللّه مِنْ بَعْدِ إيـمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بـالإيـمَانِ ولكنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْرا فَعَلـيْهُمْ غَضَبٌ منَ اللّه ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ ثم نسخ واستثنى من ذلك، فقال: ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنّ رَبّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ وهو عبد اللّه بن أبـي سرح الذي كان يكتب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأزلّه الشيطان، فلـحق بـالكفـار، فأمر به النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم أن يُقتل يوم فتـح مكة، فـاستـجار له أبو عمرو، فأجاره النبـيّ صلى اللّه عليه وسلم.

اختلف أهل العربـية فـي رافع مَثَلُ، فقال بعض نـحويّـي البصرة: إنـما هو كأنه قال: ومـما نقصّ علـيك مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا، ثم أقبل يفسر كما قال: مَثَلُ الـجَنّة، وهذا كثـير. وقال بعض نـحوّيـي الكوفـيـين: إنـما الـمَثَل للأعمال، ولكن العرب تُقَدّم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتـي بـالـخبر الذي تـخبر عنه مع صاحبه. معنى الكلام: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرَماد، كما قـيـل: وَيَوْمَ القِـيامَةِ تَرى الّذِين كَذَبُوا علـى اللّه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدّةٌ ومعنى الكلام: ترى ويوم القـيامة وجوه الذين كذبوا علـى اللّه مسودّة. قال: ولو خفض الأعمال جاز، كما قال: يَسْألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الـحَرَامِ قِتالٍ فِـيهِ... الاَية.

وقوله: مَثَلُ الـجَنّةِ التـي وُعِدَ الـمُتّقُونَ تَـجْرِفي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ قال: فتـجري هو فـي موضع الـخبر، كأنه قال: أن تـجريَ، وأن يكون كذا وكذا، فلو أدخـل (أن) جاز، قال: ومنه قول الشاعر:

ذَرِينـي إنّ أمْرَكِ لَنْ يُطاعاوَما ألْفَـيْتِنـي حِلْـمِي مُضَاعَا

قال: فـالـحلـم منصور ب (ألفـيت) علـى التكرير، قال: ولو رفعه كان صوابـا. قال: وهذا مثَل ضربه اللّه لأعمال الكفّـار، فقال: مثل أعمال الذين كفروا يوم القـيامة التـي كانوا يعملونها فـي الدنـيا يزعمون أنهم يريدون اللّه بها، مثل رماد عصفت الريح علـيه فـي يوم ريح عاصف، فنسفته وذهبت به، فكذلك أعمال أهل الكفر به يوم القـيامة، لا يجدون منها شيئا ينفعهم عند اللّه فـينـجيهم من عذابه، لأنهم لـم يكونوا يعملونها لله خالصا، بل كانوا يشركون فـيها الأوثان والأصنام،

يقول اللّه عزّ وجلّ: ذلكَ هُوَ الضّلالُ البَعِيدُ يعني أعمالهم التـي كانوا يعملونها فـي الدنـيا التـي يشركون فـيها مع اللّه شركاء، هي أعمال عُملت علـى غير هدى واستقامة، بل علـى جَوْر عن الهدى بعيد، وأخذ علـى غير استقامة شديد. وقـيـل: فِـي يَوْمٍ عاصِفٍ فوُصف بـالعُصوف، وهو من صفة الريح، لأن الريح تكون فـيه كما يقال: يوم بـارد، ويوم حارّ، لأن البرد والـحرارة يكونان فـيه وكما قال الشاعر:

ثديك سنة وجه غير مقرفةملساء لـيس بها خال ولا ندب

﴿ ٢٥