٢٦قوله: قُلِ اللّه أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا دلـيـل علـى أن قوله: وَلِبثُوا فِـي كَهْفِهِمْ خبر منه عن قوم قالوه، فإن ذلك كان يجب أن يكون كذلك لو كان لا يحتـمل من التأويـل غيره فأما وهو مـحتـمل ما قلنا من أن يكون معناه: قل اللّه أعلـم بـما لبثوا إلـى يوم أنزلنا هذه السورة، وما أشبه ذلك من الـمعانـي فغير واجب أن يكون ذلك دلـيلاً علـى أن قوله: وَلِبِثُوا فـي كَهْفِهِمْ خبر من اللّه عن قوم قالوه، وإذا لـم يكن دلـيلاً علـى ذلك، ولـم يأت خبر بأن قوله: وَلِبِثُوا فـي كَهْفِهِمْ خَبر من اللّه عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجة يجب التسلـيـم لها، صحّ ما قلنا، وفسَد ما خالفه. واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِـينَ فقرأت ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـين ثَلاثِ مِئَةٍ سِنِـينَ بتنوين: ثلاث مئةٍ، بـمعنى: ولبثوا فـي كهفهم سنـين ثلاث مئة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: (ثَلاثَ مِئَةِ سِنِـينَ) بإضافة ثلاث مئة إلـى السنـين، غير منوّن. وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراة من قرأه: ثلاثَ مِئَةٍ بـالتنوين سِنِـينَ، وذلك أن العرب إنـما تضيف الـمئة إلـى ما يفسرها إذا جاء تفسيرها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم ثلاث مئة درهم، وعندي مئة دينار، لأن الـمئة والألف عدد كثـير، والعرب لا تفسر ذلك إلا بـما كان بـمعناه فـي كثرة العدد، والواحد يؤدّي عن الـجنس، ولـيس ذلك للقلـيـل من العدد، وإن كانت العرب ربـما وضعت الـجمع القلـيـل موضع الكثـير، ولـيس ذلك بـالكثـير. وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الـجمع، فإنها تنوّن، فتقول: عندي ألفٌ دراهمُ، وعندي مئةٌ دنانـير، علـى ما قد وصفت. و قوله: لَهُ غَيْبُ السّمَوَاتِ والأرْضِ يقول تعالـى ذكره: للّه علـم غيب السموات والأرض، لا يعزب عنه علـم شيء منه، ولا يخفـى علـيه شيء، يقول: فسلـموا له علـم مبلغ ما لبثت الفتـية فـي الكهف إلـى يومكم هذا، فإن ذلك لا يعلـمه سوى الذي يعلـم غيب السموات والأرض، ولـيس ذلك إلا اللّه الواحد القهار. و قوله: أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ يقول: أبصر بـاللّه وأسمع، وذلك بـمعنى الـمبـالغة فـي الـمدح، كأنه قـيـل: ما أبصره وأسمعه. وتأويـل الكلام: ما أبصر اللّه لكلّ موجود، وأسمعه لكلّ مسموع، لا يخفـى علـيه من ذلك شيء، كما: ١٧٣٤٩ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ فلا أحد أبصر من اللّه ولا أسمع، تبـارك وتعالـى. ١٧٣٥٠ـ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِـيّ قال: يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا. و قوله: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِـيّ يقول جلّ ثناؤه: ما لـخـلقه دون ربهم الذي خـلقهم ولـيّ، يـلـي أمرهم وتدبـيرهم، وصرفهم فـيـما هم فـيه مصرفون. وَلا يُشْرِكُ فِـي حُكمِهِ أحَدا يقول: ولا يجعل اللّه فـي قضائه، وحكمه فـي خـلقه أحدا سواه شريكا، بل هو الـمنفرد بـالـحكم والقضاء فـيهم، وتدبـيرهم وتصريفهم فـيـما شاء وأحبّ. |
﴿ ٢٦ ﴾