١٣

و قوله: وَحَنانا مِنْ لَدُنّا

يقول تعالـى ذكره: ورحمة منا ومـحبة له آتـيناه الـحكم صبـيا.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة، ووجهوا الكلام إلـى نـحو الـمعنى الذي وجهناه إلـيه. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٤٤ـ حدثنا علـيّ، قال: حدثنا عبد اللّه ، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عباس ، قوله: وَحَنانا مِنْ لَدُنّا يقول: ورحمة من عندنا.

١٧٧٤٥ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: حدثنا مـحمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، فـي هذه الاَية وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال: رحمة.

١٧٧٤٦ـ حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ، فـي قوله: وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال: رحمة من عندنا.

١٧٧٤٧ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك ، قوله: وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال: رحمة من عندنا لا يـملك عطاءها أحد غيرنا.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله وَحَنانا مِنْ لَدُنّا يقول: رحمة من عندنا، لا يقدر علـى أن يعطيها أحد غيرنا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمة من عندنا لزكريا، آتـيناه الـحكم صبـيا، وفعلنا به الذي فعلنا. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٤٨ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: وَحَنانا مِنْ لَدُنّا يقول: رحمة من عندنا.

وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفـا من عندنا علـيه، فعلنا ذلك. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٤٩ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، قوله: وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال: تعطفـا من ربه علـيه.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد ، مثله.

وقال آخرون: بل معنى الـحنان: الـمـحبة. ووجهوا معنى الكلام إلـى: ومـحبة من عندنا فعلنا ذلك. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٥٠ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال: مـحبة علـيه.

١٧٧٥١ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: وَحَنانا قال: أما الـحَنان فـالـمـحبة.

وقال آخرون معناه تعظيـما منا له. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٥٢ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو تـميـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عطاء بن أبـي ربـاح وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال: تعظيـما من لدنا. وقد ذكر عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: لا أدري ما الـحنان.

١٧٧٥٣ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباس ، قال: واللّه ما أدري ما حنانا.

وللعرب فـي حَنَانَك لغتان: حَنَانَك يا ربنا، وحَنانَـيك كما قال طَرَفة بن العبد فـي حنانـيك:

أبـا مُنْذِرٍ أفْنَـيْتَ فـاسْتَبْقِ بَعْضَناحَنانَـيْكَ بعضُ الشّرّ أهْوَنُ مِن بعض

وقال امرؤ القـيس فـي اللغة الأخرى:

ويَـمْنَـحُها بَنُو شَمَـجَي بْنِ جَرْمٍمَعِيزَهُمُ حَنانَكَ ذَا الـحَنانِ

وقد اختلف أهل العربـية فـي (حنانـيك) فقال بعضهم: هو تثنـية (حنان) . وقال آخرون: بل هي لغة لـيست بتثنـية قالوا: وذلك كقولهم: حَوَالـيك وكما قال الشاعر:

ضَرْبـا هَذَا ذَيْكَ وطَعْنا وَخْضا

وقد سوّي بـين جميع ذلك الذين قالوا حنانـيك تثنـية، فـي أن كل ذلك تثنـية. وأصل ذلك أعنـي الـحنان، من قول القائل: حنّ فلان إلـى كذا، وذلك إذا ارتاح إلـيه واشتاق، ثم يقال: تـحّننَ فلان علـى فلان، إذا وصف بـالتعطّف علـيه والرقة به، والرحمة له، كما قال الشاعر:

تَـحَنّنْ عَلـيّ هَدَاكَ الـمَلِـيكُ فإنّ لِكُلّ مَقامٍ مَقالا

بـمعنى: تعطّف علـيّ. فـالـحنان: مصدر من قول القائل: حنّ فلان علـى فلان، يقال منه: حننت علـيه، فأنا أحنّ علـيه حنـينا وحنانا، ومن ذلك قـيـل لزوجة الرجل: حَنّته، لتـحننه علـيها وتعطفه، كما قال الراجز:

وَلَـيْـلَةٍ ذَاتِ دُجىً سَرَيْتُولَـم تَضِرْنِـي حَنّةٌ وَبَـيْتُ

و قوله: وَزَكَاةً

يقول تعالـى ذكره: وآتـينا يحيى الـحكم صبـيا، وزكاة: وهو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه فـي طاعة ربه، فـالزكاة عطف علـى الـحكم من قوله: وآتَـيْناهُ الـحُكْمَ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٥٤ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: وزَكاةً قال: الزكاة: العمل الصالـح.

١٧٧٥٥ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: وزَكاةً قال: العمل الصالـح الزكيّ.

١٧٧٥٦ـ حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: فـي قوله وزَكاةً يعني العمل الصالـح الزاكيّ.

و قوله: وكانَ تَقِـيّا

يقول تعالـى ذكره: وكان للّه خائفـا مؤدّيا فرائضه، مـجتنبـا مـحارمه مسارعا فـي طاعته. كما:

١٧٧٥٧ـ حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عباس وَزَكاةً وكانَ تَقِـيّا قال: طهر فلـم يعمل بذنب.

١٧٧٥٨ـ حدثنـي يونس، قال: خبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: وَزَكاةً وكانَ تَقِـيّا قال: أما الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناس.

﴿ ١٣