٢٣

و قوله: فأجاءَها الـمَخاضُ إلـى جِذْعِ النّـخْـلَةِ

يقول تعالـى ذكره: فجاء بها الـمخاض إلـى جذع النـخـلة، ثم

قـيـل: لـما أسقطت البـاء منه أجاءها، كما يقال: أتـيتك بزيد، فإذا حذفت البـاء قـيـل آتـيتك زيدا، كما قال جلّ ثناؤه: آتُونِـي زُبُرَ الـحَدِيدِ والـمعنى: ائتونـي بزُبَر الـحديد، ولكن الألف مُدّت لـما حذفت البـاء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنـما هو أفعل من الـمـجيء، كما يقال: جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب: (شرّ ما أجاءنـي إلـى مُخّة عرقوب) ، وأشاء ويقال: شرّ ما يُجِيئك ويُشِيئك إلـى ذلك ومنه قول زهير:

وَجارٍ سارَ مُعْتَـمِدا إلَـيْكُمْأجاءَتْهُ الـمَـحافَةُ وَالرّجاءُ

 يعني : جاء به، وأجاءه إلـينا وأشاءك: من لغة تـميـم، وأجاءك من لغة أهل العالـية، وإنـما تأوّل من تأوّل ذلك بـمعنى: ألـجأها، لأن الـمخاض لـما جاءها إلـى جذع النـخـلة، كان قد ألـجأها إلـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٨٧ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، قوله: فأجاءَها الـمَخاضُ قال: الـمخاض ألـجأها.

١٧٧٨٨ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد ، قال: ألـجأها الـمخاض. قال ابن جريج: وقال ابن عباس : ألـجأها الـمخاض إلـى جذع النـخـلة.

١٧٧٨٩ـ حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ فأجاءَها الـمَخاضُ إلـى جِذْعِ النّـخْـلَةِ يقول: ألـجأها الـمخاض إلـى جذع النـخـلة.

١٧٧٩٠ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: فأجاءَها الـمَخاضُ إلـى جِذْعِ النّـخْـلَةِ قال: اضطرّها إلـى جذع النـخـلة.

واختلفوا فـي أيّ الـمكان الذي انتبذتْ مريـم بعيسى لوضعه، وأجاءها إلـيه الـمخاض، فقال بعضهم: كان ذلك فـي أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشأم، وذلك أنها هربت من قومها لـما حملت، فتوجهت نـحو مصر هاربة منهم. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٩١ـ حدثنا مـحمد بن سهل، قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقِل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لـما اشتـملت مريـم علـى الـحمل، كان معها قَرابة لها، يقال له يوسف النـجّار، وكانا منطلقـين إلـى الـمسجد الذي عند جبل صِهْيَون، وكان ذلك الـمسجد يؤمئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريـم ويوسف يخدمان فـي ذلك الـمسجد، فـي ذلك الزمان، وكان لـخدمته فضل عظيـم، فرغبـا فـي ذلك، فكانا يـلـيان معالـجته بأنفسهما، تـحبـيره وكناسته وطهوره، وكلّ عمل يعمل فـيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشدّ اجتهادا وعبـادة منهما، فكان أوّل من أنكر حَمْل مريـم صاحُبها يوسف فلـما رأى الذي بها استفظعه، وعظُم علـيه، وفُظِع به، فلـم يدر علـى ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لـم تغب عنه ساعة قطّ وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر علـيها فلـما اشتدّ علـيه ذلك كلّـمها، فكان أوّل كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث فـي نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حَرَصت علـى أن أميته وأكتـمه فـي نفسي، فغلبنـي ذلك، فرأيت الكلام فـيه أشفـى لصدري، قالت: فقل قولاً جميلاً، قال: ما كنت لأقول لك إلا ذلك، فحدثـينـي، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألـم تعلـم أن اللّه تبـارك وتعالـى أنبت الزرع يوم خـلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنـما صار من الزرع الذي أنبته اللّه من غير بذر أو لـم تعلـم أن اللّه بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خـلق كلّ واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر اللّه علـى أن ينبت الشجر حتـى استعان علـيه بـالـماء، ولولا ذلك لـم يقدر علـى إنبـاته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكنـي أعلـم أن اللّه تبـارك وتعالـى بقدرته علـى ما يشاء يقول لذلك كن فـيكون، قالت مريـم: أو لـم تعلـم أن اللّه تبـارك وتعالـى خـلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر؟ قال: بلـى، فلـما قالت له ذلك، وقع فـي نفسه أن الذي بها شيء من اللّه تبـارك وتعالـى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لـما رأى من كتـمانها لذلك.

ثم تولـى يوسف خدمة الـمسجد، وكفـاها كلّ عمل كانت تعمل فـيه، وذلك لـما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوّ بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها، ولـم تكن مريـم قبل ذلك كذلك فلـما دنا نفـاسها أوحى اللّه إلـيها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلـى أختها، وأختها حينئذ حُبلـى، وقد بشرت بـيحيى، فلـما التقـيا وجدت أمّ يحيى ما فـي بطنها خرّ لوجهه ساجدا معترفـا لعيسى، فـاحتـملها يوسف إلـى أرض مصر علـى حمار له لـيس بـينها حين ركبت وبـين الإكاف شيء، فـانطلق يوسف بها حتـى إذا كان متاخما لأرض مصر فـي منقطع بلاد قومها، أدرك مريـم النفـاس، ألـجأها إلـى آريّ حمار، يعني مذود الـحمار، وأصل نـخـلة، وذلك فـي زمان أحسبه بردا أو حرّا (الشكّ من أبـي جعفر) ، فـاشتدّ علـى مريـم الـمخاض فلـما وجدت منه شدّة التـجأت إلـى النـخـلة فـاحتضنتها واحتوشتها الـملائكة، قاموا صفوفـا مـحدقـين بها.

وقد رُوي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما:

١٧٧٩٢ـ حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه، قال: لـما حضر ولادُها، يعني مريـم، ووجدت ما تـجد الـمرأة من الطلق، خرجت من الـمدينة مغربة من إيـلـياء، حتـى تدركها الولادة إلـى قرية من إيـلـياء علـى ستة أميال يقال لها بـيت لـحم، فأجاءها الـمخاض إلـى أصل نـخـلة إلـيها مذود بقرة تـحتها ربـيع من الـماء، فوضعته عندها.

وقال آخرون: بل خرجت لـما حضر وضعها ما فـي بطنها إلـى جانب الـمـحراب الشرقـي منه، فأتت أقصاه فألـجأها الـمخاض إلـى جِذع النـخـلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل.

١٧٧٩٣ـ حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرنـي الـمغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرنـي الـمغيرة بن عثمان بن عبد اللّه أنه سمع ابن عباس يقول: لـيس إلا أن حملتْ فولدتْ.

و قوله: يا لَـيْتَنِـي مِتّ قَبْلَ هَذَا ذكر أنها قالت ذلك فـي حال الطلق استـحياء من الناس، كما:

١٧٧٩٤ـ حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قالت وهي تطلق من الـحبل استـحياء من الناس: يا لَـيْتَنِـي مِتّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا.

تقول: يا لـيتنـي متّ قبل هذا الكرب الذي أنا فـيه، والـحزن بولادتـي الـمولود من غير بَعْل، وكنت نِسيا منسيا: شيئا نُسي فُترك طلبه كخرق الـحيض التـي إذا ألقـيت وطرحت لـم تطلب ولـم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك ولـم يطلب فهو نسيّ. ونسي بفتـح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بـمعنى واحد، مثل الوَتر والوِتر، والـجَسر والـجِسر، وبأيتهما قرأ القاريء فمصيب عندنا وبـالكسر قرأت عامة قرّاء الـحجاز والـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة وبـالفتـح قرأه أهل الكوفة ومنه قول الشاعر:

كأنّ لَهَا فِـي الأرْضِ نِسْيا تَقُصّهُإذَا ما غَدَتْ وَإنْ تُـحَدّثْكَ تَبْلَتِ

و يعني ب قوله: تقصه: تطلبه، لأنها كانت نسيته حتـى ضاع، ثم ذكرته فطلبته، و يعني ب قوله: تبلت: تـحسن وتصدّق، ولو وجه النسي إلـى الـمصدر من النسيان كان صوابـا، وذلك أن العرب فـيـما ذكر عنها تقول: نسيته نسيانا ونسيا، كما قال بعضهم من طاعة الربّ وعصي الشيطان، يعني وعصيان، وكما تقول أتـيته إتـيانا وأتـيا، كما قال الشاعر:

أَتُـي الفَوَاحِشِ فِـيهِمُ مَعْرُوفَةٌويَرَوْنَ فِعْلَ الـمَكْرُماتِ حَرَامَا

وقوله مَنْسِيّا مفعول من نسيت الشيء كأنها قالت: لـيتنـي كنت الشيء الذي ألقـي، فترك ونسي.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

١٧٧٩٥ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عطاء الـخراسانـي عن ابن عباس ، قوله: يا لَـيْتَنِـي مِتّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا لـم أخـلق، ولـم أك شيئا.

١٧٧٩٦ـ حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا يقول: نِسيا: نُسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يُرى لـي أثر ولا عين.

١٧٧٩٧ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا: أي شيئا لا يعرف ولا يذكر.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ، قوله وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا قال: لا أعرف ولا يدري من أنا.

١٧٧٩٨ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس نَسْيا مَنْسِيّا قال: هو السقط.

١٧٧٩٩ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: يا لَـيْتَنِـي مِتّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا لـم أكن فـي الأرض شيئا قط.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزّىَ إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً }.

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والعراق فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها بـمعنى: فناداها جبرائيـل من بـين يديها علـى اختلاف منهم فـي تأويـله فمن متأوّل منهم إذا قرأه مِنْ تـحْتِها كذلك ومن متأوّل منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تـحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة: (فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها) بفتـح التاءين من تـحت، بـمعنى: فناداها الذي تـحتها، علـى أن الذي تـحتها عيسى، وأنه الذي نادى أمه. ذكر من قال: الذي ناداها من تـحتها الـمَلَك:

١٧٨٠٠ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت ابن عباس قرأ: فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها يعني : جبرائيـل.

١٧٨٠١ـ حدثنـي أحمد بن عبد اللّه أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عبَثر، قال: حدثنا حصين، عن عمرو بن ميـمون الأَوْديّ، قال: الذي ناداها الـملك.

١٧٨٠٢ـ حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تـحتها.

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة. أنه قرأ: فخاطبها من تـحتها.

حدثنا الرفـاعي، قال: حدثنا وكيع، عن أبـيه، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة أنه قرأها كذلك.

١٧٨٠٣ـ حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا سفـيان، عن جويبر، عن الضحاك فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها قال: جبرائيـل.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، عن سفـيان، عن جويبر، عن الضحاك ، مثله.

١٧٨٠٤ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها: أي من تـحت النـخـلة.

١٧٨٠٥ـ حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ فَنادَاها جبرائيـل مِنْ تَـحْتِها أنْ لا تَـحْزَنِـي.

١٧٨٠٦ـ حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ، فـي قوله فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها قال: الـمَلَك.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها يعني : جبرائيـل كان أسفل منها.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عباس ، فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها قال: ناداها جبرائيـل ولـم يتكلـم عيسى حتـى أتت قومها.

ذكر من قال: ناداها عيسى صلى اللّه عليه وسلم :

١٧٨٠٧ـ حدثنا مـحمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، قوله: فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها قال: عيسى بن مريـم.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى. وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، مثله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد ، مثله.

١٧٨٠٨ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، عن الـحسن فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها ابنها.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ، قال: قال الـحسن: هو ابنها.

١٧٨٠٩ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه فَنادَاها عيسى مِنْ تَـحْتِها أنْ لا تَـحْزَنِـي.

١٧٨١٠ـ حدثنـي أبو حميد أحمد بن الـمغيرة الـحمصي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا مـحمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبـير، قوله فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها قال عيسى: أما تسمع اللّه يقول: فأشارَتْ إلَـيْهِ.

١٧٨١١ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها قال: عيسى ناداها: أنْ لا تَـحْزَنِـي قَدْ جَعل رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا.

١٧٨١٢ـ حُدثت عن عبد اللّه بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية الرياحيّ، عن أبـيّ بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته فـي جوفها ودخـل من فـيها.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيـل، فردّه علـى الذي هو أقرب إلـيه أولـى من ردّه علـى الذي هو أبعد منه، ألا ترى فـي سياق قوله فحَمَلَتْهُ فـانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصِيّا يعني به: فحملت عيسى فـانتبذت به، ثم

قـيـل: فناداها نسقا علـى ذلك من ذكر عيسى والـخبر عنه. ولعلة أخرى، وهي قوله: فأشارَتْ إلَـيْهِ ولـم تشر إلـيه إن شاء اللّه إلا وقد علـمت أنه ناطق فـي حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بـمخاطبته إياها بقوله لها: أنْ لا تَـحْزَنِـي قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا وما أخبر اللّه عنه أنه قال لها أشيري للقوم إلـيه، ولو كان ذلك قولاً من جبرائيـل، لكان خـلـيقا أن يكون فـي ظاهر الـخبر، مبـينا أن عيسى سينطق، ويحتـجّ عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إلـيه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.

فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويـل الذي بـيّنا، فبـين أن كلتا القراءتـين، أعنـي مِنْ تَـحْتِها بـالكسر، و(مَنْ تَـحْتَها) بـالفتـح صواب. وذلك أنه إذا قرىء بـالكسر كان فـي قوله فَنادَاها ذكر من عيسى: وإذا قرىء مِنْ تَـحْتِها بـالفتـح كان الفعل لـمن وهو عيسى. فتأويـل الكلام إذن: فناداها الـمولد من تـحتها أن لا تـحزنـي يا أمه قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا كما:

١٧٨١٣ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها أنْ لا تَـحْزَنِـي قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول ومن زوج، ولا مـملوكة فأقول من سيدي، أيّ شيء عذري عند الناس يا لَـيْتَنِـي مِتّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا فقال لها عيسى: أنا أكفـيك الكلام.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بـالسريّ فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: عنـي به: النهر الصغير. ذكر من قال ذلك:

١٧٨١٤ـ حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن البراء بن عازب قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا قال: الـجدول.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مـحمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول فـي هذه الاَية قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا قال: الـجدول.

١٧٨١٥ـ حدثنـي علـيّ، قال: حدثنا عبد اللّه ، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عباس ، قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا وهو نهر عيسى.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عباس ، قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا قال: السريّ: النهر الذي كان تـحت مريـم حين ولدته كان يجري يسمى سَريا.

١٧٨١٦ـ حدثنـي أبو حصين، قال: حدثنا عبثر، قال: حدثنا حصين، عن عمرو بن ميـمون الأَوْدِيّ، قال فـي هذه الاَية: قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا قال: السريّ: نهر يُشرب منه.

حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميـمون، فـي قوله: قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا قال: هو الـجدول.

١٧٨١٧ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد سَرِيّا قال: نهر بـالسريانـية.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد ، مثله، قال ابن جريج: نهر إلـى جنبها.

١٧٨١٨ـ حدثنا مـحمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة ، عن الـحسن، فـي قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا قال: كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن: إن السريّ: الـجدول، فقال: غلبتنا علـيك الأمراء.

١٧٨١٩ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا قال: هو الـجدول، النهر الصغير، وهو بـالنبطية: السريّ.

حدثنـي أبو حميد الـحمصي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا مـحمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال: سألت سعيد بن جبـير، عن السريّ، قال: نهر.

١٧٨٢٠ـ حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: النهر الصغير.

حدثنـي يعقوب، قال: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم، أنه قال: هو النهر الصغير: يعني الـجدول، يعني قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا.

١٧٨٢١ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك ، قال: جدول صغير بـالسريانـية.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله تَـحْتَكِ سَرِيّا: الـجدول الصغير من الأنهار.

١٧٨٢٢ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا والسريّ: هو الـجدول، تسميه أهل الـحجاز.

١٧٨٢٣ـ حدثنا الـحسن، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، فـي قوله سَرِيّا قال: هو جدول.

١٧٨٢٤ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا يعني ربـيع الـماء.

١٧٨٢٥ـ حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا والسريّ: هو النهر.

وقال آخرون: عنى به عيسى. ذكر من قال ذلك:

١٧٨٢٦ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، عن الـحسن قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا والسريّ: عيسى نفسه.

١٧٨٢٧ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَـحْتَكِ سَرِيّا يعني نفسه، قال: وأيّ شيء أسرى منه، قال: والذين يقولون: السريّ: هو النهر لـيس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنـما يكون إلـى جنبها، ولا يكون النهر تـحتها.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قـيـل من قال: عنى به الـجدول، وذلك أنه أعلـمها ما قد أعطاها اللّه من الـماء الذي جعله عندها، وقال لها وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ تُساقِطْ عَلَـيْكِ رُطَبـا جَنِـيّا فَكُلِـي من هذا الرطب وَاشْرَبِـي من هذا الـماء وَقَرّي عَيْنا بولدك، والسريّ معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير ومنه قول لبـيد:

فَتَوَسّطا عُرْضَ السّرِيّ وَصَدّعامَسْجُورَةً مُتَـجاوِرا قُلاّمُها

ويُروى: مثلـما مسجورة، ويُروى أيضا: فغارا.

و قوله: وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ ذكر أن الـجذع كان جذعا يابسا، وأمرها أن تهزّه، وذلك فـي أيام الشتاء، وهزّها إياه كان تـحريكه، كما:

١٧٨٢٨ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ قال: حركيها. ذكر من قال ذلك:

١٧٨٢٩ـ حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عباس وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ قال: كان جذعا يابسا، فقال لها: هزّيه تُساقِطْ عَلَـيْكِ رُطَبـا جَنِـيّا.

١٧٨٣٠ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نهيك يقول: كانت نـخـلة يابسة.

١٧٨٣١ـ حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول فـي قوله: وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ فكان الرطب يتساقط علـيها وذلك فـي الشتاء.

١٧٨٣٢ـ حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ: وكان جذعا منها مقطوعا فهزّته، فإذا هو نـخـلة، وأُجري لها فـي الـمـحراب نهر، فتساقطت النـخـلة رطبـا جنـيا فَقال لها: كُلِـي وَاشْرَبِـي وَقَرّي عَيْنا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزّي إلـيك بـالنـخـلة. ذكر من قال ذلك:

١٧٨٣٣ـ حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفـيان، قال: قال مـجاهد وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ قال: النـخـلة.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفـيان، عن عيسى بن ميـمون، عن مـجاهد ، فـي قوله وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ قال: العجوة.

١٧٨٣٤ـ حدثنـي يعقوب، قال: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميـمون، أنه تلا هذه الاَية: وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ تُساقِطْ عَلَـيْكِ رُطَبـا جَنِـيّا قال: فقال عمرو: ما من شيء خير للنفساء من التـمر والرطب.

وأدخـلت البـاء فـي قوله: وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النّـخْـلَةِ كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة وكما قال تَنْبُتُ بِـالدّهْنِ بـمعنى: تنبت الدهن. وإنـما تفعل العرب بذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بـالبـاء، فـيقال إذا كنـيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخـل البـاء فـي الأفعال وتـخرِج، فـيكون دخولها وخروجها بـمعنى، فمعنى الكلام: وهزّي إلـيك جذع النـخـلة وقد كان لو أن الـمفسرين كانوا فسروه كذلك: وهزّي إلـيك رطبـا بجذع النـخـلة، بـمعنى: علـى جذع النـخـلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك. ومن الشاهد علـى دخول البـاء فـي موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر:

بِوَادٍ يَـمانٍ يُنْبِتُ السّدْرَ صَدْرُهُوأسْفَلُهُ بـالـمَرْخِ والشّبَهانِ

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله: تُسَاقِطْ فقرأ ذلك عامّة قرّاء الـمدينة والبصرة والكوفة: (تَسّاقَطُ) بـالتاء من تساقط وتشديد السين، بـمعنى: تتساقط علـيك النـخـلة رطبـا جنـيا، ثم تُدغم إحدى التاءين فـي الأخرى فتشدد، وكأن الذين قرأوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلـي: وهزّي إلـيك بجذع النـخـلة تساقط النـخـلة علـيك رطبـا. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة: (تَساقَطُ) بـالتاء وتـخفـيف السين، ووجه معنى الكلام، إلـى مثل ما وجه إلـيه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم فـي القراءة. ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك: (يُساقِط) بـالـياء.

١٧٨٣٥ـ حدثنـي بذلك أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبـي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلـي: وهزّي إلـيك بجذع النـخـلة يتساقط الـجذع علـيك رطبـا جنـيا.

ورُوي عن أبـي نهيك أنه كان يقرؤه: (تُسْقِطُ) بضمّ التاء وإساقط الألف.

١٧٨٣٦ـ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نَهِيك يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلـي: تسقط النـخـلة علـيك رطبـا جنـيا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعنـي تَسّاقَطُ بـالتاء وتشديد السين، وبـالتاء وتـخفـيف السين، وبـالـياء وتشديد السين، قراءات متقاربـات الـمعانـي، قد قرأ بكل واحدة منهنّ قرّاء أهل معرفة بـالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب الصواب فـيه، وذلك أن الـجذع إذا تساقط رطبـا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النـخـلة رطبـا، وإذا تساقطت النـخـلة رطبـا، فقد تساقطت النـخـلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النـخـلة ما دامت قائمة علـى أصلها، فإنـما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعا، فـالـجذع الذي أمرت مريـم بهزّه لـم يذكر أحد نعلـمه أنه كان جذعا مقطوعا غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزّها إياه نـخـلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان الـمتساقط علـيها رطبـا نـخـلة واحدا، فتبـين بذلك صحة ما قلنا.

و قوله: جَنِـيّا يعني مـجنـيا وإنـما كان أصله مفعولاً فصرف إلـى فعيـل والـمـجنـي: الـمأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتنـي، ولذلك

قـيـل: فلان يجتنـي الكمأة ومنه قول ابن أخت جذيـمة:

هَذَا جَنايَ وخِيارُهُ فِـيهْإذْ كُلّ جانٍ يَدُهُ إلـى فِـيهْ

﴿ ٢٣