٦٠

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَالّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنّهُمْ إِلَىَ رَبّهِمْ رَاجِعُونَ }.

 يعني تعالـى ذكره ب قوله: والّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا والذين يعطون أهل سُهْمان الصدقة ما فرض اللّه لهم فـي أموالهم. ما آتَوْا يعني : ما أعطوهم إياه من صدقة، ويؤدّون حقوق اللّه علـيهم فـي أموالهم إلـى أهلها.

وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ يقول: خائفة من أنهم إلـى ربهم راجعون، فلا ينـجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب اللّه ، فهم خائفون من الـمرجع إلـى اللّه لذلك، كما قال الـحسن: إن الـمؤمن جمع إحسانا وشفقة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

١٩٣٣٢ـ حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفـيان، عن ابن أبجر، عن رجل، عن ابن عمر: يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: الزكاة.

١٩٣٣٣ـ حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: حدثنا عبـيد اللّه بن موسى، قال أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: الـمؤمن ينفق ماله وقلبه وَجِلٌ.

١٩٣٣٤ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي الأشهب، عن الـحسن، قال: يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: يعملون ما عملوا من أعمال البرّ، وهم يخافون ألاّ ينـجيهم ذلك من عذاب ربهم.

١٩٣٣٥ـ حدثنا القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: الـمؤمن ينفق ماله ويتصدّق وقلبه وَجِل أنه إلـى ربه راجع.

١٩٣٣٦ـ حدثنـي يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلَـية، عن يونس، عن الـحسن أنه كان يقول: إن الـمؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن الـمنافق جمع إساءة وأمنا. ثم تلا الـحسن: إنّ الّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبّهِمْ مُشْفِقُونَ إلـى: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أنّهُمْ إلـى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ وقال الـمنافق: إنـما أوتـيته علـى علـم عندي.

١٩٣٣٧ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: يُؤْتُونَ ما آتَوْا قال: يُعطون ما أعطوا. وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ يقول: خائفة.

١٩٣٣٨ـ حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: حدثنا النضر بن شميـل، قال: أخبرنا إسرائيـل، قال: أخبرنا سالـم الأفطس، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: وَالّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: يفعلون ما يفعلون وهم يعلـمون أنهم صائرون إلـى الـموت وهي من الـمبشّرات.

١٩٣٣٩ـ حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: حدثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ قال: يُعْطُون ما أعطَوا ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ، مثله.

١٩٣٤٠ـ حدثنا علـيّ، قال: ثنـي معاوية، عن ابن عباس ، قوله: وَالّذِينَ يَأْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ يقول: يعملون خائفـين.

١٩٣٤١ـ قال: حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عباس ، قوله: وَالّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: يعطون ما أعطوا فَرَقا من اللّه ووجلاً من اللّه .

١٩٣٤٢ـ حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: يُؤْتُونَ ما آتَوْا ينفقون ما أنفقوا.

١٩٣٤٣ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: يعطون ما أعطوا وينفقون ما أنفقوا ويتصدّقون بـما تصدّقوا وقلوبهم وجلة، اتقاء لسخط اللّه والنار.

وعلـى هذه القراءة، أعنـي علـى: وَالّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا قرأه الأمصار، وبه رسوم مصاحفهم وبه نقرأ، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه ووفـاقه خطّ مصاحف الـمسلـمين.

ورُوي عن عائشة رضي اللّه عنها فـي ذلك، ما:

١٩٣٤٤ـ حدثناه أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا علـيّ بن ثابت، عن طلـحة بن عمر، عن أبـي خـلف، قال: دخـلت مع عبـيد بن عمير علـى عائشة، فسألها عبـيد: كيف نقرأ هذا الـحرف وَالّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا؟ فقالت: (يَأْتُونَ ما أتَوْا) .

وكأنها تأوّلت فـي ذلك والذين يفعلون ما يفعلون من الـخيرات وهم وجلون من اللّه . وكأنها تأوّلت فـي ذلك: والذين يفعلون ما يفعلون من الـخيرات وهم وجلون من اللّه ، كالذي:

١٩٣٤٥ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الـحكم بن بشير، قال: حدثنا عمر بن قـيس، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمدانـي، عن أبـي حازم، عن أبـي هريرة، قال: قالت عائشة: يا رسول اللّه (وَالّذِينَ يَأْتُونَ مَا أتَوْا وَقُلوبُهُم وَجِلَةٌ) هو الذي يذنب الذنب وهو وجل منه؟ فقال: (لا، وَلَكِنْ مَنْ يَصُومُ وَيُصَلّـي ويَتَصَدّقُ وَهُوَ وَجِلٌ) .

١٩٣٤٦ـ حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة قالت: قلت: يا رسول اللّه الّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهم الذين يُذنبون وهم مشفقون وَيَصُومُونَ وَهُمْ مُشْفِقُونَ؟

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا لـيث، عن مغيث، عن رجل من أهل مكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول اللّه : الّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال: فذكر مثل هذا.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: حدثنا أبـي، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن عائشة أنها قالت: يا رسول اللّه الّذِينَ يَأْتُونَ ما أتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الرجل يزنى ويسرق ويشرب الـخمر؟ قال: (لا يا ابْنَةَ أبـي بَكْرٍ أو يا ابْنَةَ الصّدّيقِ وَلَكِنّهُ الرّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلّـي وَيَتَصَدّقُ، وَيخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُ) .

١٩٣٤٧ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي جرير، عن لـيث بن أبـي سلـيـم، وهشيـم عن العوّام بن حَوْشب جميعا، عن عائشة، أنها قالت: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (يا ابْنَةَ أبـي بَكْرٍ أو يا بْنَةَ الصّدّيقِ هُمُ الّذِينَ يُصَلّونَ وَيَفْرَقُونَ أنْ لا يُتَقَبّلَ منْهُمْ) . و (أنّ) من قوله: أنّهُمْ إلـى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ: فـي موضع نصب، لأن معنى الكلام: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ من أنهم، فلـما حذفت (مِنْ) اتصل الكلام قبلها، فنصبت. وكان بعضهم يقول: هو فـي موضع خفض، وإن لـم يكن الـخافض ظاهرا.

﴿ ٦٠