١٠٦

قالُوا رَبّنا غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: غَلَبَت عَلَـيْنا شِقْوَتُنا بكسر الشين، وبغير ألف. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: (شَقاوَتُنا) بفتـح الشين والألف.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وتأويـل الكلام: قالوا: ربنا غلبت علـينا ما سبق لنا فـي سابق علـمك وخطّ لنا فـي أمّ الكتاب.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

١٩٤٣٨ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزّة، عن مـجاهد ، قوله: غَلَبْتَ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا قال: التـي كتبت علـينا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، قوله: غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا التـي كتبت علـينا.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد ، مثله.

١٩٤٣٩ـ وقال: قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خَزَنة جهنـم: أنُ ادْعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فلـم يجيبوهم ما شاء اللّه فلـما أجابوهم بعد حين قالوا: ادعوا وما دعاء الكافرين إلا فـي ضلال. قال: ثم نادوا مالكا: يا مالك لـيقضِ علـينا ربك فسكت عنهم مالك خازن جهنـم أربعين سنة، ثم أجابهم فقال: إنّكُمْ ماكِثُونَ. ثم نادى الأشقـياء ربهم، فقالوا: رَبّنا غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْما ضَالّـينَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْها فإنْ عُدْنا فإنّا ظالِـمُونَ فسكت عنهم مثل مقدار الدنـيا، ثم أجابهم بعد ذلك تبـارك وتعالـى: اخْسَئُوا فِـيها وَلا تُكَلّـمُونِ.

١٩٤٤٠ـ قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد اللّه ، قال: (ينادِي أهل النار أهل الـجنة فلا يجيبونهم ما شاء اللّه ، ثم يقول: أجيبوهم وقد قطع الرّحِمَ والرحمة. فـيقول أهل الـجنة: يا أهل النار علـيكم غضب اللّه يا أهل النار علـيكم لعنة اللّه يا أهل النار، لا لَبّـيْكم ولا سَعْدَيْكم ماذا تقولون؟ فـيقولون: ألـم نك فـي الدنـيا آبـاءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم؟ فـيقولون: بلـى. فـيقولون: أفِـيضُوا عَلَـيْنا مِنَ الـمَاءِ أوْ مِـما رَزَقَكُمُ اللّه قالُوا إنّ اللّه حَرّمَهُما عَلـى الكافِرِينَ) .

١٩٤٤١ـ قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ قال: وثنـي عَبْدة الـمُرُوزِيّ، عن عبد اللّه بن الـمبـارك، عن عمرو بن أبـي لـيـلـى، قال: سمعت مـحمد بن كعب، زاد أحدهما علـى صاحبه، قال مـحمد بن كعب: بلغنـي، أو ذُكر لـي، أن أهل النار استغاثوا بـالـخَزَنة، ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فردّوا علـيهم ما قال اللّه فلـما أيسوا نادَوا: يا مالك وهو علـيهم، وله مـجلس فـي وسطها، وجسور تـمرّ علـيها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها فقالوا: يا مالك، لـيقض علـينا ربك سألوا الـموت. فمكث لا يجيبهم ثمانـين ألفَ سنة من سنـي الاَخرة، أو كما قال. ثم انـحطّ إلـيهم، فقال: إنّكُمْ ماكثونَ فلـما سمعوا ذلك قالوا: فـاصبروا، فلعلّ الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنـيا علـى طاعة اللّه قال: فصَبَروا، فطال صبرهم، فنادَوا: سَوَاءٌ عَلَـيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَـحِيصٍ: أي مَنْـجًى، فقام إبلـيس عند ذلك فخطبهم، فقال: إنّ اللّه وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ، وَوَعَدْتُكُمْ فَأخْـلَفْتُكُمْ وَما كانَ لـي عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ، فلـما سمعوا مقالتهم، مَقَتُوا أنفسهم، قال: فُنودوا: لَـمَقْتُ اللّه أكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنْفُسَكُمْ إذْ تُدْعُوْنَ إلـى الاْيـمَانِ فَتَكْفُرُونَ قالُوا رَبّنا أمَتّنَا... الاَية، قال: فـيجيبهم اللّه فـيها: ذَلَكُمْ بأنّهُ إذَا دُعِيَ اللّه وَحْدَهُ كَفَرْتُـمْ وَإنْ يُشْرَكْ بِهه تُؤْمِنُوا فـالـحُكْمُ للّه العَلـيّ الكَبِـيرِ. قال: فـيقولون: ما أيسنا بعدُ قال: ثم دَعَوا مرّة أخرى، فـيقولون: رَبّنا أبْصَرْنا وَسمِعْنا فـارْجِعْنا نَعْمَلْ صَالِـحا إنّا مُوقِنُونَ قال: فـيقول الربّ تبـارك وتعالـى: وَلَوْ شِئْنا لاَتَـيْنا كُلّ نَفْسٍ هُدَاها يقول الربّ: لو شئت لهديت الناس جميعا فلـم يختلف منهم أحد ولكنْ حَقّ القَوْلُ مِنّـي لاَءَمْلأَنّ جَهَنّـمَ مِنَ الـجِنّةِ والنّاسِ أجَمعِينَ فَذُوقُوا بِـمَا نَسِيتُـمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا يقول: بـما تركتـم أن تعملوا لـيومكم هذا، إنّا نَسِيناكُمْ: أي تركناكم، وَذُوقُوا عَذَابَ الـخُـلْدِ بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ. قال: فـيقولون: ما أيسنا بعد قال: فـيدعون مرّة أخرى: رَبّنا أخّرْنا إلـى أجَلٍ قَرِيبٍ نُـجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتّبِعِ الرّسُلَ قال: فـيقال لهم: أوَ لَـمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُـمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُـمْ فِـي مَساكِنِ الّذِينَ ظَلَـمُوا أَنْفُسَهُمْ... الاَية، قال: فـيقولون: ما أيسنا بعد ثم قالوا مرّة أخرى: رَبّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صَالِـحا غيرَ الّذِي كُنّا نَعْمَلُ، قال: فـيقول: أوَ لَـمْ نُعَمّرْكُمْ ما يَتَذَكّرُ فِـيهِ مِنْ تَذَكّرَ وَجاءَكُمُ النّذِيرُ... إلـى: نَصِيرٍ. ثم مكث عنهم ما شاء اللّه ، ثم ناداهم: أَلَـمْ تَكُنْ آياتِـي تُتْلَـى عَلَـيْكُمْ فَكُنْتُـمْ بِها تُكَذّبُونَ فلـما سمعوا ذلك قالوا: الاَن يرحمنا فقالوا عند ذلك: رَبّنا غَلَبَتْ عَلَـيْنا شِقْوَتُنا: أي الكتاب الذي كتب علـينا وكُنّا قَوْما ضَالّـينَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْها... الاَية، فقال عند ذلك: اخْسَئُوا فِـيها وَلا تُكَلّـمُونِ قال: فلا يتكلـمون فـيها أبدا. فـانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح فـي وجه بعض، فأَطْبَقت علـيهم. قال عبد اللّه بن الـمبـارك فـي حديثه: فحدثنـي الأزهر بن أبـي الأزهر أنه قال: فذلك قوله: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لهُمْ فَـيَعْتَذِرُونَ.

١٩٤٤٢ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد اللّه ، أنه قال: فوالذي أنزل القرآن علـى مـحمد والتوراة علـى موسى والإنـجيـل علـى عيسى، ما تكلـم أهل النار كلـمة بعدها إلا الشهيق والزّعيق فـي الـخـلد أبدا لـيس له نفـاد.

١٩٤٤٣ـ قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، قال: كنا فـي جنازة ومعنا أبو جعفر القارىء، فجلسنا، فتنـحى أبو جعفر، فبكى، ف

قـيـل له: ما يبكيك يا أبـا جعفر؟ قال: أخبرنـي زيد بن أسلـم أن أهل النار لا يتنفسون.

و قوله: وكُنّا قَوْما ضَالّـينَ يقول: كنا قوما ضَلَلْنا عن سبـيـل الرشاد وقصد الـحقّ.

﴿ ١٠٦