١١٣

فقالوا: لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فنسي الأشقـياء، لعظيـم ما هم فـيه من البلاء والعذاب، مدة مكثهم التـي كانت فـي الدنـيا، وقَصُر عندهم أمد مكثهم الذي كان فـيها، لـما حلّ بهم من نقمة اللّه ، حتـى حسبوا أنهم لـم يكونوا مكثوا فـيها إلا يوما أو بعض يوم، ولعلّ بعضهم كان قد مكث فـيها الزمان الطويـل والسنـين الكثـيرة.

وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة علـى وجه الأمر لهم بـالقول، كأنه قال لهم قولوا كم لبثتـم فـي الأرض؟ وأخرج الكلام مُخْرج الأمر للواحد والـمعنـيّ به الـجماعة، إذ كان مفهوما معناه. وإنـما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة لأن ذلك فـي مصاحفهم: (قُلْ) بغير ألف، وفـي غر مصاحفهم بـالألف.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ ذلك: قالَ كَمْ لَبِثْتُـمْ علـى وجه الـخبر، لأن وجه الكلام لو كان ذلك أمرا، أن يكون (قُولوا) علـى وجه الـخطاب للـجمع لأن الـخطاب فـيـما قبل ذلك وبعده جرى لـجماعة أهل النار، فـالذي هو أولـى أن يكون كذلك قوله: (قولوا) لو كان الكلام جاء علـى وجه الأمر، وإن كان الاَخر جائزا، أعنـي التوحيد، لـما بـيّنت من العلة لقارىء ذلك كذلك، وجاء الكلام بـالتوحيد فـي قراءة جميع القرّاء، كان معلوما أن قراءة ذلك علـى وجه الـخبر عن الواحد أشبه، إذْ كان ذلك هو الفصيح الـمعروف من كلام العرب. فإذا كان ذلك ذلك، فتأويـل الكلام: قال اللّه كم لبثتـم فـي الدنـيا من عدد سنـين؟ قالوا مـجيبـين له: لبثنا فـيها يوما أو بعض يوم فـاسأل العادّين، لأنا لا ندري، قد نسينا ذلك.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بـالعادّين، فقال بعضهم: هم الـملائكة الذين يحفظون أعمال بنـي آدم ويُحْصُون علـيهم ساعاتهم. ذكر من قال ذلك:

١٩٤٥٣ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، قوله: فـاسأَلِ العادّينَ قال: الـملائكة.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد ، مثله.

وقال آخرون: بل هم الـحُسّاب. ذكر من قال ذلك:

١٩٤٥٤ـ حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : فـاسأَلِ العادّينَ قال: فـاسأل الـحُسّاب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة : فـاسأَلِ العادّينَ قال: فـاسأل أهل الـحساب.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال كما قال اللّه جلّ ثناؤه: فـاسأَلِ العادّينَ وهم الذين يَعُدّون عدد الشهور والسنـين وغير ذلك. وجائز أن يكونوا الـملائكة، وجائز أن يكونوا بنـي آدم وغيرهم، ولا حجة بأيّ ذلك من أيّ ثبتت صحتها فغير جائز توجيه معنى ذلك إلـى بعض العادّين دون بعض.

﴿ ١١٣