١١

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنّ الّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لّكُمْ ...}.

يقول تعالـى ذكره: إن الذين جاءوا بـالكذب والبُهتان عُصْبَةٌ مِنْكُمْ يقول: جماعة منكم أيها الناس. لا تَـحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يقول: لا تظنوا ما جاءوا به من الإفك شرّا لكم عند اللّه وعند الناس، بل ذلك خير لكم عنده وعند الـمؤمنـين وذلك أن اللّه يجعل ذلك كَفّـارة للـمرميّ به، ويُظهر براءته مـما رُمي به، ويجعل له منه مخرجا. و

قـيـل: إن الذي عَنَى اللّه ب قوله: إنّ الّذِينَ جاءُوا بـالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ: جماعة، منهم حسان بن ثابت، ومِسْطَح بن أُثاثة، وحَمْنه بنت جحش. كما:

١٩٥٥١ـ حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: حدثنا أبـي، قال: حدثنا أبـان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة: أنه كتب إلـى عبد الـملك بن مروان: كتبت إلـيّ تسألنـي فـي الذين جاءوا بـالإفك، وهم كما قال اللّه : إنّ الّذِينَ جاءُوا بـالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، وأنه لـم يُسَمّ منهم أحد إلا حسان بن ثابت، ومِسْطَح بن أُثاثة، وحَمْنة بنت جَحْش، وهو يقال فـي آخرين لا علـم لـي بهم غير أنهم عصبة كما قال اللّه .

١٩٥٥٢ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد ، قوله: جاءُوا بـالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ هم أصحاب عائشة. قال ابن جُرَيج: قال ابن عباس : قوله: جاءُوا بـالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ... الآية، الذين افْتَروا علـى عائشة: عبد اللّه بن أُبَـيّ، وهو الذي تولـى كِبْره، وحسان بن ثابت، ومِسْطَح، وحَمْنة بنت جحش.

١٩٥٥٣ـ حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: الّذِينَ جاءُوا بـالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الذين قالوا لعائشة الإفك والبهتان.

١٩٥٥٤ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: إنّ الّذِينَ جاءُوا بـالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَـحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قال: الشرّ لكم بـالإفك الذي قالوا، الذي تكلّـموا به، كان شرّا لهم، وكان فـيهم من لـم يقله إنـما سمعه، فعاتبهم اللّه ، فقال أوّلَ شيء: إنّ الّذِينَ جاءُوا بـالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَـحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ثم قال: والّذِي تَوَلّـى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيـمٌ.

و قوله: لِكُلّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ يقول: لكلّ امرىء من الذين جاءوا بـالإفك جزاء ما اجترم من الإثم، بـمـجيئه بـما جاء به، من الأولـى عبد اللّه .

و قوله: وَالّذِي تَوَلّـى كِبْرَهُ مِنْهُمْ يقول: والذي تـحمل معظم ذلك الإثم والإفك منهم هو الذي بدأ بـالـخوض فـيه. كما:

١٩٥٥٥ـ حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: وَالّذِي تَوَلّـى كِبْرَهُ مِنْهُمْ يقول: الذي بدأ بذلك.

١٩٥٥٦ـ حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، قوله: عُصْبَةٌ مِنْكُمْ قال: أصحاب عائشة عبد اللّه بن أبـيّ ابن سَلُول، ومِسْطَح، وحَسّان.

قال أبو جعفر: له من اللّه عذاب عظيـم يوم القـيامة.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: كِبْرَهُ فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار: كِبْرَهُ بكسر الكاف، سوى حميد الأعرج فإنه كان يقرؤه: (كُبْرَهُ) بـمعنى: والذي تـحمل أكبره.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب: القراءة التـي علـيها عوامّ القرّاء، وهي كسر الكاف، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها، وأن الكِبْر بـالكسر: مصدر الكبـير من الأمور، وأن الكُبْر بضم الكاف: إنـما هو من الولاء والنسب، من قولهم: هو كُبْر قومه والكِبْر فـي هذا الـموضع: هو ما وصفناه من معظم الإثم والإفك. فإذا كان ذلك كذلك، فـالكسر فـي كافة هو الكلام الفصيح دون ضمها، وإن كان لضمها وجه مفهوم.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ ب قوله: وَالّذِي تَوَلّـى كِبْرَهُ مِنْهُمْ... الآية، فقال بعضهم: هو حسان بن ثابت. ذكر من قال ذلك:

١٩٥٥٧ـ حدثنا الـحسن بن قزعة، قال: حدثنا مسلـمة بن علقمة، قال: حدثنا داود، عن عامر، أن عائشة قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تـمثلت به إلا رجوت له الـجنة، قوله لأبـي سفـيان:

هَجَوْتَ مُـحَمّدًا فَأجَبْتُ عَنْهُوَعِنْدَ اللّه فِـي ذَاكَ الـجَزاءُ

فإنّ أبـي وَوَالِدهُ وَعِرْضِيلِعِرْضِ مُـحَمّدٌ مِنْكُمْ وِقاءُ

أتَشْتُـمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍفَشَرّكُما لـخَيْرِكُما الفِداءُ

لِسانِـي صَارِمٌ لا عَيْبَ فِـيهِوبَحْرِي لا تُكَدّرهُ الدّلاءُ

ف

قـيـل: يا أمّ الـمؤمنـين، ألـيس هذا لغوا؟ قالت لا، إنـما اللّغو ما قـيـل عند النساء.

قـيـل: ألـيس اللّه يقول: وَالّذِي تَوَلّـى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيـمٌ قالت: ألـيس قد أصابه عذاب عظيـم؟ ألـيس قد ذهب بصره وكُنّع بـالسيف؟.

١٩٥٥٨ـ قال: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق قال: كنت عند عائشة، فدخـل حسان بن ثابت، فأمرت، فأُلقـي له وسادة فلـما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا وقد قال اللّه ما قال؟ فقالت: قال اللّه : وَالّذِي تَوَلّـى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيـمٌ وقد ذهب بصره، ولعلّ اللّه يجعل ذلك العذاب العظيـم ذهاب بصره.

١٩٥٥٩ـ حدثنا ابن الـمثنى، قال: حدثنا مـحمد بن أبـي عديّ، عن شعبة، عن سلـيـمان، عن أبـي الضحى، عن مسروق، قال: دخـل حسان بن ثابت علـى عائشة، فشبّب بأبـيات له، فقال:

وَتُصْبِح غَرْثَى مِنْ لُـحُومِ الغَوَافِلِ فقالت عائشة: أما إنك لست كذلك فقلت: تدعين هذا الرجل يدخـل علـيك وقد أنزل اللّه فـيه: وَالّذِي تَوَلّـى كِبْرَهُ... الآية؟ فقالت: وأيّ عذاب أشدّ من العمى وقالت: إنه كان يدفع عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .

١٩٥٦٠ـ حدثنـي مـحمد بن عثمان الواسطي، قال: حدثنا جعفر بن عون، عن الـمُعَلّـى بن عرفـان، عن مـحمد بن عبد اللّه بن جحش، قال: تفـاخرت عائشة وزينب، قال: فقالت زينب: أنا التـي نزل تزويجِي من السماء. قال: وقالت عائشة: أنا التـي نزل عذري فـي كتابه حين حملنـي ابن الـمعَطّل علـى الراحلة. فقالت لها زينب: يا عائشة، ما قلت حين ركبتـيها؟ قالت: قلت: حسبـي اللّه ونعم الوكيـل قالت قلتِ كلـمةَ الـمؤمنـين.

وقال آخرون: هو عبد اللّه بن أُبـيّ ابن سَلُول. ذكر من قال ذلك:

١٩٥٦١ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة، قالت: كان الذين تكلـموا فـيه: الـمنافق عبد اللّه بن أُبـيّ ابن سَلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولـى كِبْره، ومِسْطَحا، وحسان بن ثابت.

١٩٥٦٢ـ حدثنا سفـيان، قال: حدثنا مـحمد بن بشر، قال: حدثنا مـحمدبن عمرو، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقّاص وغيره أيضا، قالوا: قالت عائشة: كان الذي تولـى كبره الذي يجمعهم فـي بـيته، عبد اللّه بن أُبـيّ ابن سَلُول.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: حدثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: ثنـي عروة بن الزبـير، وسعيد بن الـمسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبـيد اللّه بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان الذي تولـى كبره: عبد اللّه بن أُبـيّ.

١٩٥٦٣ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس : إنّ الّذِينَ جاءُوا... الآية، ، الذين افْتَرَوا علـى عائشة: عبد اللّه بن أُبـيّ، وهو الذي تولـى كِبْره، وحسان، ومِسْطَح، وحَمْنه بنت جحش.

١٩٥٦٤ـ حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: حدثنا أبـي، قال: حدثنا أبـان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة فـي الذين جاءوا بـالإفك: يزعمون أنه كان كِبْرُ ذلك عبدَ اللّه بن أبـيّ ابن سلول، أحد بنـي عوف بن الـخرزج وأخبرت أنه كان يحدّث به عنهم فـيقرّه ويسمعه ويستوشيه.

١٩٥٦٥ـ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أما الذي تولـى كبره منهم، فعبد اللّه بن أُبـيّ ابن سلول الـخبـيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبـيكم بـاتت مع رجل حتـى أصبحت، ثم جاء يقود بها.

١٩٥٦٦ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد : والذي تولـى كِبْره هو عبد اللّه بن أُبـيّ ابن سلول، وهو بدأه.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب: قول من قال: الذي تولـى كِبْره من عصبة الإفك، كان عبد اللّه بن أبـيّ، وذلك أنه لا خلاف بـين أهل العلـم بـالسير، أن الذي بدأ بذكر الإفك، وكان يجمع أهله ويحدثهم، عبدُ اللّه بن أُبـيّ ابن سَلُول، وفعله ذلك علـى ما وصفت كان تولـيه كِبْر ذلك الأمر. وكان سبب مـجيء أهل الإفك، ما:

١٩٥٦٧ـ حدّثنا به ابن عبد الأعلـى، قال: حدثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن مـحمد بن مسلـم بن عبـيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب، ثنـي عروة بن الزبـير، وسعيد بن الـمسيب، وعلقمة بن وقّاص، وعبـيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللّه ، وكلهم حدثنـي طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لـحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الـحديث الذي حدثنـي عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضا:

زعموا أن عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بـين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها. قالت عائشة: فأقرع بـيننا فـي غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك بعد ما أَنْزِل الـحجاب، وأنا أُحْمَل فـي هودجي وأنزل فـيه. فسرنا، حتـى إذا فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوه وقـفل إلـى الـمدينة، آذن لـيـلة بـالرحيـل، فقمت حين آذنوا بـالرحيـل، فمشيت حتـى جاوزت الـجيش فلـما قضيت شأنـي، أقبلت إلـى الرحل، فلـمست صدري، فإذا عِقْدٌ لـي من جَزْع ظَفَـارِ قد انقطع، فرجعت فـالتـمست عقدي، فحبسنـي ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرْحَلون لـي، فـاحتـملوا هو دجي، فَرَحلوه علـى بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أنـي فـيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خِفـافـا لـم يُهَبّلْهُن ولـم يَغْشَهن اللـحم، إنـما يأكلن العُلْقة من الطعام. فلـم يستنكر القوم ثقلَ الهودج حين رَحَلُوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الـجمل وساروا، فوجدت عَقْدي بعد ما استـمرّ الـجيش، فجئت منازلهم ولـيس بها داع ولا مـجيب. فتـيـمـمت منزلـي الذي كنت فـيه، وظننت أن القوم سيفقدونـي ويرجعون إلـيّ. فبـينا أنا جالسة فـي منزلـي، غلبتنـي عينـي، فنـمت حتـى أصبحت. وكان صفوان بن الـمعطّل السّلـميّ ثم الذّكْوانـيّ، قد عَرّس من وراء الـجيش، فـادّلَـج فأصبح عند منزلـي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتانـي، فعرفنـي حين رآنـي، وكان يرانـي قبل أن يُضرب الـحجاب عَلَـيّ، فـاستـيقظت بـاسترجاعه حين عرفنـي، فخَمّرت وجهي بجلبـابـي، واللّه ما تكلـمت بكلـمة ولا سمعت منه كلـمة غير استرجاعه حتـى أناخ راحلته، فوطِىء علـى يديها فركبتها، فـانطلق يقود بـي الراحلة، حتـى أتـينا الـجيش بعد ما نزلوا مُوغِرِينَ فـي نـحر الظهيرة. فهلك من هلك فـي شأنـي، وكان الذي تولـى كِبْره عبد اللّه بن أُبـيّ ابن سلول.

فقدمنا الـمدينة، فـاشتكيت شهرا، والناس يُفِـيضُون فـي قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبنـي فـي وجعي أنـي لا أعرف من رسول اللّه اللّطْف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنـما يدخـل فـيسلـم ثم يقول: (كيف تـيكم؟) فذلك يريبنـي، ولا أشعر بـالشرّ. حتـى خرجت بعد ما نَقَهت، فخرجت مع أمّ مِسْطَح قبَلَ الـمَنَاصع، وهو مُتَبرّزنا، ولا نـخرج إلا لـيلاً إلـى لـيـل، وذلك قَبل أن نتـخذ الكُنُف قريبـا من بـيوتنا، وأَمْرُنا أمر العرب الأُوَل فـي التنزّه، وكنا نتأذّى بـالكُنُف أن نتـخذها عند بـيوتنا. فـانطلقت أنا وأمّ مسطح، وهي ابنة أبـي رُهْم بن عبد الـمطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبـي بكر الصدّيق، وابنها مِسْطَحْ بن أُثاثة بن عبـاد بن الـمطّلب. فأقبلت أنا وابنة أبـي رُهْم قبل بـيتـي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مِسْطَح فـي مِرْطِها، أوَ لـم تسمعي ماقال؟ وما قال؟ فأخبرتنـي بقول أهل الإفك، فـازددت مَرَضا علـى مرضي. فلـما رجعت إلـى منزلـي، ودخـل علـيّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال: (كَيْفَ تِـيكُمْ؟) فقلت: أتأذن لـي أن آتـيَ أبويّ؟ قال: (نعم) . قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستثبت الـخبر من قِبَلهما. فأذِن لـي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجئت أبويّ، فقلت لأمي: أي أمتاه، ماذا يتـحدّث الناس؟ فقالت: أي بُنـية، هوّنـي علـيك فواللّه لقلـما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر، إلا أكثرن علـيها. قالت: قلت: سبحان اللّه ، أَوَ قد تـحدّث الناس بهذا وبلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قالت: نعم، فبكيت تلك اللـيـلة حتـى أصبحت لا يرقأ لـي دمع ولا أكتـحل بنوم، ثم أصبحت، فدخـل علـيّ أبو بكر وأنا أبكي، فقال لأمي: مايبكيها؟ قالت: لـم تكن علـمت ما قـيـل لها. فأكبّ يَبْكي، فبكى ساعة، ثم قال: اسكتـي يا بنـية فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لـي دمع ولا أكتـحل بنوم، ثم بكيت لـيـلـى الـمقبل لا يرقأ لـي دمع ولا أكتـحل بنوم، ثم بكيت لـيـلتـي الـمقبلة لا يرقأ لـي دمع ولا أكتـحل بنوم، حتـى ظنّ أبواي أن البكاء سيفلق كبدي.

فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علـيّ بن أبـي طالب وأُسامة بن زيد، حين استْلَبث الوحي، يستشيرهما فـي فراق أهله قالت: فأما أُسامة، فأشار علـى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بـالذي يعلـم من براءة أهله وبـالذي فـي نفسه من الودّ، فقال: يا رسول اللّه ، هم أهلك، ولا نعلـم إلا خيرا. وأما علـيّ فقال: لـم يضيق اللّه علـيك، والنساء سواها كثـير، وإن تسأل الـجارية تَصْدُقك، يعني بَرِيرة. فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بَرِيرة، فقال: (هَلْ رأيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عائِشَةَ؟) قالت له بَرِيرة: والذي بعثك بـالـحقّ، ما رأيت علـيها أمرا قطّ أَغْمِصْه علـيها، أكثرَ من أنها حديثة السنّ تنام عن عجين أهلها فتأتـى الداجن فتأكله فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم خطيبـا، فحمد اللّه وأثنى علـيه بـما هو أهله، ثم قال: (مَنْ يَعْذِرُنِـي مِـمنْ قَدْ بَلَغْنِـي أذَاهُ فِـي أهْلِـي؟) يعني عبدَ اللّه بن أُبـي ابن سَلُول. وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو علـى الـمنبر أيضا: (يا مَعْشَرَ الـمُسْلَـمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِـي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنـي أذَاهُ فِـي أهْلـي؟ فَوَاللّه ما عَلـمْتُ عَلـى أهْلـي إلاّ خَيْرا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلـمْتُ عَلَـيْهِ إلاّ خَيْرا، وَما كانَ يَدْخُـلُ عَلـى أهْلـي إلاّ مَعي) فقام سعد بن مُعاذ الأنصاريّ، فقال: أنا أعذِرك منه يا رسول اللّه ، إن كان من الأوس ضربنا عُنُقه، وإن كان من إخواننا الـخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عُبـادة، فقال، وهو سيد الـخزرج، وكان رجلاً صالـحا، ولكن احتـملَتْه الـحَمِيّة، فقال: أَيْ سعدَ بن معاذ، فقال لسعد بن عُبـادة: كذبت، لعمر اللّه لنقتلّنه، فإنك منافق تـجادل عن الـمنافقـين فثار الـحيان: الأوس والـخزرج، حتـى هموا أن يقتتلوا، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم علـى الـمنبر، فلـم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يُخَفّضُهم حتـى سكتوا. ثم أتانـي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا فـي بـيت أبويّ، فبـينا هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنتْ علـيّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي قالت: فبـينا نـحن علـى ذلك، دخـل علـينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم جلس عندي، ولـم يجلس عندي منذ قـيـل ما قـيـل، وقد لبث شهرا لا يوحَى إلـيه فـي شأنـي بشيء قالت: فتشهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين جلس، ثم قال: (أمّا بَعْدُ يا عائشَةُ فإنّهُ بَلَغَنِـي عَنْكِ كَذَا وكَذا، فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرّئُكِ اللّه ، وَإنْ كُنْتِ ألـمَـمْتِ بِذَنْبٍ، فـاسْتَغْفِرِي اللّه ، وَتُوبِـي إلَـيْهِ، فإنّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَف بَذَنْبِهِ ثُمّ تابَ تابَ اللّه عَلَـيْهِ) . فلـما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقالته، قَلَص دمعي، حتـى ما أحسّ منه دمعة قلت لأبـي: أجب عنـي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فـيـما قال قال: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقلت لأمي: أجيبـي عنـي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ كثـيرا من القرآن: إنـي واللّه لقد عرفت أنْ قد سمعتـم بهذا، حتـى استقرّ فـي أنفسكم، حتـى كِدْتـم أن تصدّقوا به، فإن قلت لكم: إنـي بريئة واللّه يعلـم أنـي برئة، لا تصدّقونـي بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر واللّه يعلـم أنـي منه بريئة، لتصدّقُنّـي، وإنـي واللّه ما أجد لـي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: وَاللّه الـمُسْتَعانُ عَلـى ما تَصِفُونَ.

ثم تولّـيت واضطجعت علـى فراشي، وأنا واللّه أعلـم أنـي بريئة وأن اللّه سيبرّئنـي ببراءتـي، ولكنـي واللّه ما كنت أظنّ أن ينزل فـي شأنـي وحْي يُتلـى، ولَشأنـي كان أحقَر فـي نفسي من أن يتكلّـم اللّه فـيّ بأمر يُتلـى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فـي الـمنام رؤيا يبرّئنـي اللّه بها. قالت: واللّه ما رام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مـجلسه ولا خرج من البـيت أحد حتـى أنزل اللّه علـى نبـيه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء عند الوحي، حتـى إنه لـيتـحدّر منه مثلُ الـجُمان من العرق فـي الـيوم الشاتـي من ثقل القول الذي أُنزل علـيه. قالت: فلـما سُرّي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يضحك، كان أوّل كلـمة تكلـم بها أن قال: (أبْشِرِي يا عائِشةُ، إنّ اللّه قَدْ بَرّأكِ) فقالت لـي أمي، قومي إلـيه فقلت: واللّه لا أقوم إلـيه، ولا أحمد إلا اللّه ، هو الذي أنزل براءتـي. فأنزل اللّه : إنّ الّذِينَ جاءُوا بـالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات، فأنزل هذه الاَيات براءة لـي. قالت: فقال أبو بكر، وكان ينفق علـى مِسْطَح لقرابته وفقره: واللّه لا أنفق علـيه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة قالت: فأنزل اللّه : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ والسّعَةِ حتـى بلغ: غَفُورٌ رَحِيـمٌ فقال أبو بكر: إنـي لأحبّ أن يغفر اللّه لـي. فرجع إلـى مِسْطَح النفقةَ التـي كان يُنفق علـيه، وقال: لا أنزعها منه أبدا.

قالت عائشة: وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري وما رأت وما سمعت، فقالت: يا رسول اللّه ، أحمي سمعي وبصري، واللّه ما رأيت إلا خيرا. قالت عائشة: وهي التـي كانت تسامينـي، فعصمها اللّه بـالوَرَع، وطفقت أختها حَمْنة تـحارب فهلكت فـيـمن هلك.

قال الزهريّ بن شهاب: هذا الذي انتهى إلـينا من أمر هؤلاء الرهط.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، وعن علقمة بن وقّاص اللـيثـيّ، عن سعيد بن الـمسيب، وعن عروة بن الزبـير، وعن عبـيد اللّه بن عتبة بن مسعود. قال الزهريّ: كلّ قد حدثنـي بعض هذا الـحديث، وبعض القوم كان له أوعى من بعض. قال: وقد جمعت لك كل الذي قد حدثنـي. وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة قال: وثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن عبـاد بن عبد اللّه بن الزبـير، عن أبـيه، عن عائشة. قال: ثنـي عبد اللّه بن بكر بن مـحمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت وكل قد اجتـمع فـي حديثه قصة خبر عائشة عن نفسها، حين قال أهل الإفك فـيها ما قالوا، وكله قد دخـل فـي حديثها عن هؤلاء جميعا، ويحدث بعضهم ما لـم يحدث بعض، وكلّ كان عنها ثقة، وكلّ قد حدث عنها ما سمع.

قالت عائشة رضي اللّه عنها: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بـين نسائه، فأَيتهُنّ خرج سهمها خرج بها معه. فلـما كانت غزاة بنـي الـمصطَلِق، أقرع بـين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمي علـيهنّ، فخرج بـي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معه. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنـما يأكلن العُلَق لـم يهيّجْهُنّ اللـحم فـيثقلن. قالت: وكنت إذا رحل بعيري جلست فـي هَوْدَجي، ثم يأتـي القوم الذين يرحلون بـي بعيري ويحملونـي، فـيأخذون بأسفل الهودج يرفعونه فـيضعونه علـى ظهر البعير، فـينطلقون به. قالت: فلـما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سفره ذلك وجّه قافلاً، حتـى إذا كان قريبـا من الـمدينة، نزل منزلاً فبـات بعض اللـيـل، ثم أذّن فـي الناس بـالرحيـل. فلـما ارتـحل الناس، خرجت لبعض حاجتـي وفـي عنقـي عقد لـي من جَزْعَ ظَفـارِ، فلـما فرغت انسلّ من عنقـي وما أدري فلـما رجعت إلـى الرحْل ذهبت ألتـمسه فـي عنقـي فلـم أجده، وقد أخذ الناس فـي الرحيـل. قالت: فرجعت عَوْدِي إلـى بَدْئِي، إلـى الـمكان الذي ذهبت إلـيه، فـالتـمسته حتـى وجدته وجاء القوم خلافـي الذين كانوا يرحلون بـي البعير.

ثم ذكر نـحو حديث ابن عبد الأعلـى، عن ابن ثور.

١٩٥٦٨ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: لـما ذكر من شأنـي الذي ذكر وما علـمت به، قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطيبـا وما علـمت، فتشهد، فحمد اللّه وأثنى علـيه بـما هو أهله، ثم قال: (أمّا بَعْدُ أشِيرُوا عَلـيّ فِـي أُناسٍ أبَنُوا أهْلِـي وَاللّه ما عَلِـمْتُ عَلـى أهْلِـي سُوءًا قَطّ، وأبَنُوهُمْ بِـمَنْ وَاللّه ما عَلِـمْتُ عَلَـيْهِ سُوءا قَطّ، وَلا دَخَـلَ بَـيْتِـي قَطّ إلاّ وأنا حاضِرٌ، وَلا أغِيبُ فِـي سَفَرٍ إلاّ غابَ مَعِي) فقام سعد بن مُعاذ فقال: يا رسول اللّه ، نرى أن نضرب أعناقهم فقام رجل من الـخزرج، وكانت أمّ حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال كذبتَ، أما واللّه لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتـى كاد أن يكون بـين الأوس والـخزرج فـي الـمسجد شرّ وما علـمتُ به. فلـما كان مساء ذلك الـيوم، خرجت لبعض حاجتـي ومعى أمّ مِسْطح، فعثرت، فقالت: تَعَس مِسْطح فقلت علام تسبـين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانـية، فقالت: تَعَس مسطح قلت: علام تسبـين ابنك؟ فسكتت الثانـية. ثم عثرت الثالثة، فقالت: تَعَس مسطح فـانتهرتها، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم واللّه . قالت: فرجعت إلـى بـيتـي فكأن الذي خرجت له لـم أخرج له، ولا أجد منه قلـيلاً ولا كثـيرا. ووُعِكْت، فقلت: يا رسول اللّه ، أرسلنـي إلـى بـيت أبـي فأرسل معي الغلام، فدخـلت الدار فإذا أنا بأمي أمّ رومان، قالت: ما جاء بك يا بُنـية؟ فأخبرتها، فقالت: خَفّضي علـيك الشأن، فإنه واللّه ما كانت امرأة جميـلة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا حسدنها وقلن فـيها. قلت: وقد علـم بها أبـي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول اللّه ؟ قالت: نعم. فـاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتـي وهو فوق البـيت يقرأ، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذُكر من أمرها. ففـاضت عيناه، فقال: أقسمت علـيك إلاّ رَجَعْت إلـى بـيتك فرجعت.

فأصبح أبواي عندي، فلـم يزالا عندي حتـى دخـل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علـيّ بعد العصر، وقد اكتنفنـي أبواي، عن يـمينـي وعن شمالـي، فتشهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فحمد اللّه وأثنى علـيه بـما هو أهله، ثم قال: (أمّا بَعْدُ يا عائِشَةُ، إنْ كُنْتِ قارَفْتِ سُوءا أوْ ألَـمَـمْتِ فَتُوبِـي إلـى اللّه ، فإنّ اللّه يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبـادِهِ) . وقد جاءت امرأة من الأنصار وهي جالسة، فقلت: ألا تستـحي من هذه الـمرأة أن تقول شيئا؟ فقلت لأبـي: أجبه فقال: أقول ماذا؟ قلت لأمي: أجيبـيه فقالت: أقول ماذا؟ فلـما لـم يجيبـاه تشّهدت فحمدت اللّه وأثنـيت علـيه بـما هو أهله، ثم قلت: أما بعد، فواللّه لئن قلت لكم إنـي لـم أفعل، واللّه يعلـم إنـي لصادقة ما ذا بنافعي عندكم، لقد تُكُلّـم به وأُشْرِبته قلوبكم وإن قلت إنـي قد فعلت واللّه يعلـم أنـي لـم أفعل لَتقولُنّ قد بـاءت به علـى نفسها، وأيـمُ اللّه مَا أجد لـي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَميـلٌ وَاللّه الـمُسْتَعانُ عَلـى ما تَصِفُونَ. وأنزل اللّه علـى رسوله ساعتئذٍ، فُرفع عنه، وإنـي لأتبـين السرور فـي وجهه وهو يـمسح جبـينه يقول: (أبْشِرِي يا عائِشَةُ، فَقَدْ أنْزَلَ اللّه بَرَاءَتَكِ) فكنت أشدّ ما كنت غضبـا، فقال لـي أبواي: قومي إلـى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت: واللّه لا أقوم إلـيه، ولا أحمده ولا أحمدكما، لقد سمعتـموه فما أنكرتـموه ولا غيرتـموه، ولكنـي أحمد اللّه الذي أنزل براءتـي. ولقد جاء رسول اللّه بـيتـي، فسأل الـجارية عنـي، فقالت: واللّه ما أعلـم علـيها عيبـا إلا أنها كانت تنام حتـى كانت تدخـل الشاة فتأكل حصيرها أو عجينها، فـانتهرها بعض أصحابه، وقال لها: اصْدُقـي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال عروة: فعَتب علـى من قاله، فقال: لا، واللّه ما أعلـم علـيها إلا ما يعلـم الصائغ علـى تبر الذهب الأحمر. وبلغ ذلك الرجل الذي قـيـل له، فقال: سبحان اللّه ما كشفت كَنَف أنثى قطّ. فقتل شهيدا فـي سبـيـل اللّه . قالت عائشة: فأما زينب بنت جحش، فعصمها اللّه بدينها، فلـم تقل إلا خيرا وأما حَمْنة أختها، فهلكت فـيـمن هلك. وكان الذين تكلـموا فـيه: الـمنافقَ عبد اللّه بن أُبـيّ ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولـى كِبْره، ومِسْطحا، وحسانَ بن ثابت، فحلف أبو بكر أن لا ينفع مِسْطَحا بنافعة، فأنزل اللّه : وَلا يَأَتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسّعَةِ يعني أبـا بكر، أنْ يُؤْتُوا أُولـي القُرْبَى وَالـمَساكِينَ يعني مِسْطحا، ألا تَـحِبّونَ أنْ يَغْفِرَ اللّه لَكُمْ وَاللّه غَفُورٌ رَحِيـمٌ قال أبو بكر: بلـى واللّه ، إنا لنـحبّ أن يغفر اللّه لنا وعاد أبو بكر لِـمْسطَح بـما كان يصنع به.

١٩٥٦٩ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا مـحمد بن بشر، قال: حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقاص وغيره أيضا، قال: خرجت عائشة تريد الـمَذْهب، ومعها أمّ مسطح. وكان مِسطح بن أثاثة مـمن قال ما قال. وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطب الناس قبل ذلك، فقال: (كَيْفَ تَرَوْنَ فِـيـمَنْ يُؤْذِينِـي فِـي أهْلِـي وَيجْمَعُ فِـي بَـيْتِهِ مَنْ يُؤْذِينِـي؟) فقال سعد بن مُعاذ: أي رسول اللّه ، إن كان منا معشرَ الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الـخزرج، أمرتنا فأطعناك. فقال سعد بن عبـادة: يا ابن معاذ، واللّه ما بك نُصْرة رسول اللّه ، ولكنها قد كانت ضغائن فـي الـجاهلـية وإحن لـم تـحلل لنا من صدوركم بعد فقال ابن معاذ: اللّه أعلـم ما أردت. فقام أُسَيد بن حُضَير، فقال: يا ابن عبـادة، إن سعدا لـيس شديدا، ولكنك تـجادل عن الـمنافقـين وتدفع عنهم. وكثر اللّغَط فـي الـحيـين فـي الـمسجد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس علـى الـمنبر، فما زال النبي صلى اللّه عليه وسلم يومىء بـيده إلـى الناس ههنا وههنا، حتـى هدأ الصوت.

وقالت عائشة: كان الذي تولـى كِبْره، والذي يجمعهم فـي بـيته، عبد اللّه بن أُبّـي ابن سلول. قالت: فخرجت إلـى الـمَذْهَب ومعي أمّ مسطح، فعثرتْ، فقالتْ: تَعَس مِسْطح فقلت: غفر اللّه لك، أتقولـين هذا لابنك ولصاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قالت ذلك مرّتـين، وما شعرت بـالذي كان. فحُدثت، فذهب عنى الذي خرجت له، حتـى ما أجد منه شيئا. ورجعت علـى أبويّ أبـي بكر وأمّ رُومان، فقلت: أما اتقـيتـما اللّه فـيّ وما وصلتـما رحمي؟ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي قال، وتـحدّث الناس بـالذي تـحدثوا به ولـم تُعْلِـمانـي فأُخْبِر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت: أي بنـية، واللّه لقلـما أحبّ رجل قطّ امرأته إلا قالوا لها نـحو الذي قالوا لك أي بنـية ارجعي إلـى بـيتك حتـى نأتَـيك فـيه فرجعت وارتكبنـي صالِبٌ من حُمّى، فجاء أبواي فدخلا، وجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتـى جلس علـى سريري وُجاهي، فقالا: أي بـينة، إن كنت صنعت ما قال الناس فـاستغفري اللّه ، وإن لـم تكونـي صنعتـيه فأخبرنـي رسول اللّه بعذرك قلت: ما أجد لـي ولكم إلا كأبـي يوسف فَصَبْرٌ جَمِيـلٌ وَاللّه الـمُسْتَعانُ عَلـى ما تَصِفُونَ. قالت: فـالتـمست اسم يعقوب، فما قدرت، أو فلـم أقدر علـيه. فشخص بصر رسول اللّه إلـى السقـف، وكان إذا نَزَل علـيه وَجَد، قال اللّه : إنّا سَنُلْقـي عَلَـيْكَ قَوْلاً ثَقِـيلاً فوالذي هو أكرمه وأنزل علـيه الكتاب، ما زال يضحك حتـى إنـي لأنظر إلـى نواجذه سرورا، ثم مسح عن وجهه، فقال: (يا عائِشَةُ أبْشِرِي، قَدْ أنْزَلَ اللّه عُذْرَكِ) قلت: بحمد اللّه لا بحمدك ولا بحمد أصحابك. قال اللّه : إنّ الّذِينَ جاءُوا بـالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ... حتـى بلغ: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ. وكان أبو بكر حلف أن لا ينفع مسطحا بنافعة، وكان بـينهما رَحم، فلـما أنزلت: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ... حتـى بلغ: وَاللّه غَفُورٌ رَحِيـمٌ قال أبو بكر: بلـى، أي ربّ فعاد إلـى الذي كان لـمسطح إن الّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ... حتـى بلغ: أُولَئِكَ مُبَرّءُونَ مِـمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيـم. قالت عائشة: واللّه ما كنت أرجو أن ينزل فـيّ كتاب ولا أطمع به، ولكن أرجو أن يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رؤيا تُذْهب ما فـي نفسه. قالت: وسأل الـجارية الـحَبَشية، فقالت: واللّه لعائشة أطيب من طيب الذهب، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتـى تدخـل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناس لـيخبرنّك اللّه قال: فعجب الناس من فقهها.

﴿ ١١