٢٠

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَتَفَقّدَ الطّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ }.

يقول تعالـى ذكره: وَتَفَقّدَ سلـيـمان الطيْرَ فَقالَ مالـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ. وكان سبب تفقده الطير وسؤاله عن الهدهد خاصة من بـين الطير، ما:

٢٠٤٥٩ـ حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: حدثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت عمران عن أبـي مُـجَلّز، قال: جلس ابن عباس إلـى عبد اللّه بن سلام، فسأله عن الهدهد: لـم تفقّده سلـيـمان من بـين الطير٠فقال عبد اللّه بن سلام: إن سلـيـمان نزل منزلة فـي مسير له، فلـم يدر ما بُعْدَ الـماء، فقال: من يعلـم بُعْدَ الـماء؟ قالوا: الهدهد، فذاك حين تفقده.

حدثنا مـحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا عمران بن حدير، عن أبـي مـجلّز، عن ابن عباس وعبد اللّه ابن سلام بنـحوه.

٢٠٤٦٠ـ حدثنـي أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عباس ، قال: كان سلـيـمان بن داود يوضع له ستّ مئة كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فـيجلسون مـما يـلـيه، ثم تـجيء أشراف الـجنّ فـيجلسون مـما يـلـي الإنس، قال: ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتـحملهم، قال: فـيسير فـي الغداة الواحدة مسيرة شهر، قال: فبـينا هو فـي مسيره إذا احتاج إلـى الـماء وهو فـي فلاة من الأرض، قال: فدعا الهدهد، فجاءه فنقر الأرض، فـيصيب موضع الـماء، قال: ثم تـجيء الشياطين فـيسلـخونه كما يسلـخ الإهاب، قال: ثم يستـخرجون الـماء. فقال له نافع بن الأزرق: قـف يا وقاف أرأيت قولك الهدهد يجيء فـينقر الأرض، فـيصيب الـماء، كيف يبصر هذا، ولا يبصر الفخّ يجيء حتـى يقع فـي عنقه؟ قال: فقال له ابن عباس : ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.

٢٠٤٦١ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: كان سلـيـمان بن داود إذا خرج من بـيته إلـى مـجلسه عكفت علـيه الطير، وقام له الـجنّ والإنس حتـى يجلس علـى سريره، حتـى إذا كان ذات غداة فـي بعض زمانه غدا إلـى مـجلسه الذي كان يجلس فـيه، فتفقد الطير. وكان فـيـما يزعمون يأتـيه نوبـا من كل صنف من الطير طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها قد حضره إلا الهدهد، فقال: مالـي لا أرى الهدهد

٢٠٤٦٢ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أوّل ما فقد سلـيـمان الهدهد نزل بواد فسأل الإنس عن مائه، فقالوا: ما نعلـم له ماء، فإن يكن أحد من جنودك يعلـم له ماء فـالـجنّ، فدعا الـجنّ فسألهم، فقالوا: ما نعلـم له ماء وإن يكن أحد من جنودك يعلـم له ماء فـالطير، فدعا الطير فسألهم، فقالو: ما نعلـم له ماء، وإن يكن أحد من جنودك يعلـمه فـالهدهد، فلـم يجده، قال: فلذاك أوّل ما فقد الهدهد.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عباس ، قوله: وَتَفَقّدَ الطّيْرَ فَقالَ مالـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِـينَ قال: تفقد الهدهد من أجل أنه كان يدله علـى الـماء إذا ركب، وإن سلـيـمان ركب ذات يوم فقال: أين الهدهد لـيدلنا علـى الـماء؟ فلـم يجده، فمن أجل ذلك تفقده. فقال ابن عباس : إن الهدهد كان ينفعه الـحذر ما لـم يبلغه الأجل فلـما بلغ الأجل لـم ينفعه الـحذر، وحال القدر دون البصر.

فقد اختلف عبد اللّه بن سلام والقائلون بقوله ووهب بن منبه، فقال عبد اللّه : كان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه لـيستـخبره عن بُعد الـماء فـي الوادي الذي نزل به فـي مسيره. وقال وهب بن منبه: كان تفقده إياه وسؤاله عنه لإخلاله بـالنوبة التـي كان ينوبها واللّه أعلـم بأيّ ذلك كان إذ لـم يأتنا بأيّ ذلك كان تنزيـل، ولا خبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صحيح.

فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن اللّه أخبر عن سلـيـمان أنه تفقد الطير، إما للنوبة التـي كانت علـيها وأخـلت بها، وإما لـحاجة كانت إلـيها عن بُعد الـماء.

و قوله: فَقالَ مالِـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِـينَ يعني بقوله مالـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أخطأه بصرى فلا أراه وقد حضر أم هو غائب فـيـما غاب من سائر أجناس الـخـلق فلـم يحضر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٦٣ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه مالِـيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغَائِبِـينَ أخطأه بصري فـي الطير، أم غاب فلـم يحضر؟

﴿ ٢٠