٣٨

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالَ يَأَيّهَا الْمَلاُ أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ }.

اختلف أهل العلـم فـي الـحين الذي قال فـيه سلـيـمان يا أيها الـمَلأُ أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها فقال بعضهم: قال ذلك حين أتاه الهدهد بنبأ صاحبة سبأ، وقال له: جئْتُكَ مِنْ سَبأ بِنَبأٍ يَقِـينٍ وأخبره أن لها عرشا عظيـما، فقال له سلـيـمان صلى اللّه عليه وسلم : سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِـينَ فكان اختبـاره صدقه من كذبه بأن قال لهؤلاء: أيكم يأتـينـي بعرش هذه الـمرأة قبل أن يأتونـي مسلـمين. وقالوا إنـما كتب سلـيـمان الكتاب مع الهدهد إلـى الـمرأة بعد ما صحّ عنده صدق الهدهد بـمـجيء العالـم بعرضها إلـيه علـى ما وصفه به الهدهد، قالوا: ولولا ذلك كان مـحالاً أن يكتب معه كتابـا إلـى من لا يدري، هل هو فـي الدنـيا أم لا؟ قالوا: وأخرى أنه لو كان كتب مع الهدهد كتابـا إلـى الـمرأة قبل مـجيء عرشها إلـيه، وقبل علـمه صدق الهدهد بذلك، لـم يكن لقوله له سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذبِـينَ معنى، لأنه لا يُـلِـم بخبره الثانـي من إبلاغه إياها الكتاب، أو ترك إبلاغه إياها ذلك، إلا نـحو الذي علـم بخبره الأوّل حين قال له: جئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبإٍ يَقِـينٍ قالوا: وإن لـم يكن فـي الكتاب معهم امتـحان صدقه من كذبه، وكان مـحالاً أن يقول نبـيّ اللّه قولاً لا معنى له وقد قال: سَنَنْطُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِـينَ علـم أن الذي امتـحن به صدق الهدهد من كذبه هو مصير عرش الـمرأة إلـيه، علـى ما أخبره به الهدهد الشاهد علـى صدقه، ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إلـيها. ذكر من قال ذلك:

٢٠٥١٩ـ حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عباس ، قال: إن سلـيـمان أوتـي ملكا، وكان لا يعلـم أن أحدا أوتـي ملكا غيره فلـما فقد الهدهد سأله: من أين جئت؟ ووعده وعيدا شديدا بـالقتل والعذاب، قال: جِئْتُكَ مِنْ سَبأٍ بِنَبأٍ يَقِـينٍ قال له سلـيـمان: ما هذا النبأ؟ قال الهدهد: إنّى وَجَدْتٌ امْرأةً بسبأ تَـمْلِكُهُمْ، وأُوتِـيَتْ مِنْ كُلّ شَيْءٍ، ولَهَا عَرْشٌ عَظِيـمٌ فلـما أخبر الهدهد سلـيـمان أنه وجد سلطانا، أنكر أن يكون لأحد فـي الأرض سلطان غيره، فقال لـمن عنده من الـجنّ والإنس: يا أيّها الـمَلأّ أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ؟

﴿ ٣٨