٣٩

قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الـجِنّ أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وإنّـي عَلَـيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ

قال سلـيـمان: أريد أعجل من ذلك قالَ الّذِي عِنْدَهُ عِلْـمٌ مِنَ الكِتابِ وهو رجل من الإنس عنده علـم من الكتاب فـيه اسم اللّه الأكبر، الذي إذا دعي به أجاب: أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَـيْكَ طَرْفُكَ فدعا بـالاسم وهو عنده قائم، فـاحتـمل العرش احتـمالاً حتـى وُضع بـين يدي سلـيـمان، واللّه صنع ذلك فلـما أتـى سلـيـمان بـالعرش وهم مشركون، يسجدون للشمس والقمر، أخبره الهدهد بذلك، فكتب معه كتابـا ثم بعثه إلـيهم، حتـى إذا جاء الهدهد الـملكة ألقـى إلـيها الكتاب قالَتْ يا أيّها الـمَلأُ إنّـي أُلْقِـيَ إلـيّ كِتابٌ كَرِيـمٌ... إلـى وأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ فقالت لقومها ما قالت وإنّـي مُرْسِلَةٌ إلَـيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَناظِرَةٌ بِـمَ يَرْجِعُ الـمُرْسَلُونَ قال: وبعثت إلـيه بوصائف ووصفـاء، وألبستهم لبـاسا واحدا، حتـى لا يعرف ذكر من أنثى، فقالت: إن زيّـل بـينهم حتـى يعرف الذكر من الأنثى، ثم ردّ الهدية، فإنه نبـيّ، وينبغي لنا أن نترك ملكنا ونتّبع دينه ونلـحق به، فردّ سلـيـمان الهدية وزيّـل بـينهم، فقال: هؤلاء غلـمان، وهؤلاء جَوَارٍ، وقال: أتُـمِدونَنِ بِـمَالٍ فَمَا آتانِـيَ اللّه خَيْرٌ مِـمّا أتاكُمْ بَلْ أنْتُـمْ بِهَدِيّتِكُمْ تفْرَحُونَ... إلـى آخر الاَية.

٢٠٥٢٠ـ حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: إنّـي وَجَدْتُ امْرأةً تَـمْلِكُهُمْ... الاَية قال: وأنكر سلـيـمان أن يكون لأحد علـى الأرض سلطان غيره، قال لـمن حوله من الـجنّ والإنس: أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها... الاَية.

وقال آخرون: بل إنـما اختبر صدقَ الهدهدِ سلـيـمانُ بـالكتاب، وإنـما سأل من عنده إحضاره عرش الـمرأة بعد ما خرجت رسلها من عنده، وبعد أن أقبلت الـمرأة إلـيه. ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢١ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه، قال: لـما رجعت إلـيها الرسل بـما قال سلـيـمان: قالت: واللّه عرفت ما هذا بـملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بـمكاثرته شيئا، وبعثت: إنـي قادمة علـيك بـملوك قومي، حتـى أنظر ما أمرك، وما تدعو إلـيه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها، الذي كانت تـجلس علـيه، وكان من ذهب مفصص بـالـياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل فـي سبعة أبـيات بعضها فـي بعض، ثم أقـفلت علـيه الأبواب. وكانت إنـما يخدمها النساء، معها ستّ مئة امرأة يخدمنها ثم قالت لـمن خـلفت علـى سلطانها، احتفظ بـما قِبَلك، وبسرير ملكي، فلا يخـلص إلـيه أحد من عبـاد اللّه ، ولا يرينه أحد حتـى أتـيك ثم شخصت إلـى سلـيـمان فـي اثنـي عشر ألف قَـيْـلٍ معها من ملوك الـيـمن، تـحت يد كلّ قَـيْـلٍ منهم ألوف كثـيرة، فجعل سلـيـمان يبعث الـجنّ، . فـيأتونه بـمسيرها ومنتهاها كلّ يوم ولـيـلة، حتـى إذا دنت جمع مَن عنده من الـجنّ والإنس مـمن تـحت يده، فقال: يا أيّها الـمَلأُ أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ.

وتأويـل الكلام: قال سلـيـمان لأشراف من حضره من جنده من الـجنّ والإنس: يا أيّها الـمَلأُ أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها يعني سريرها. كما:

٢٠٥٢٢ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها قال: سرير فـي أريكة.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد ، قال: عرشها سرير فـي أريكة. قال ابن جُرَيج: سرير من ذهب، قوائمه من جوهر ولؤلؤ.

٢٠٥٢٣ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها: بسريرها.

وقال ابن زيد فـي ذلك ما:

٢٠٥٢٤ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: أيكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها قال: مـجلسها.

واختلف أهل العلـم فـي السبب الذي من أجله خصّ سلـيـمان مسألة الـملأ من جنده إحضار عرش هذه الـمرأة من بـين أملاكها قبل إسلامها، فقال بعضهم: إنـما فعل ذلك لأنه أعجبه حين وصف له الهدهد صفته، وخشي أن تسلـم فـيحرُم علـيه مالها، فأراد أن يأخذ سريرها ذلك قبل أن يحرُم علـيه أخذه بإسلامها. ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٥ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة ، قال: أخبر سلـيـمانَ الهدهدُ أنها قد خرجت لتأتـيه، وأخبر بعرشها فأعجبه. كان من ذهب وقوائمه من جوهر مكلّل بـاللؤلؤ، فعرف أنهم إن جاءوه مسلـمين لـم تـحلّ لهم أموالهم، فقال للـجنّ: أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأتونِـي مُسْلِـمِينَ.

وقال آخرون: بل فعل ذلك سلـيـمان لـيعاتبها به، ويختبر به عقلها، هل تثبته إذا رأته، أم تنكره؟ ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٦ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أعلـم اللّه سلـيـمان أنها متأتـيه، فقال: أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ حتـى يعاتبها، وكانت الـملوك يتعاتبون بـالعلـم.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله قَبْلَ أن يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ فقال بعضهم: معناه: قبل أن يأتونـي مستسلـمين طوعا. ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٧ـ حدثنـي علـيّ، قال: حدثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عباس ، قوله وقبْل أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ يقول: طائعين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتونـي مسلـمين الإسلام الذي هو دين اللّه . ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٨ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج أيّكُمْ يَأْتِـينِـي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ بحرمة الإسلام فـيـمنعهم وأموالهم، يعني الإسلام يـمنعهم.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي السبب الذي من أجله خصّ سلـيـمان بسؤاله الـملأ من جنده بإحضاره عرش هذه الـمرأة دون سائر ملكها عندنا، لـيجعل ذلك حجة علـيها فـي نبوّته، ويعرّفها بذلك قُدرة اللّه وعظيـم شأنه، أنها خـلّفته فـي بـيت فـي جوف أبـيات، بعضها فـي جوف بعض، مغلق مقـفل علـيها، فأخرجه اللّه من ذلك كله، بغير فتـح أغلاق وأقـفـال، حتـى أوصله إلـى وَلِـيّة من خـلقه، وسلم ه إلـيه، فكان لها فـي ذلك أعظم حجة، علـى حقـيقة ما دعا لها إلـيه سلـيـمان، وعلـى صدق سلـيـمان فـيـما أعلـمها من نبوّته.

فأما الذي هو أولـى التأويـلـين فـي قوله قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ بتأويـله، فقول ابن عباس الذي ذكرناه قبل، من أن معناه طائعين، لأن الـمرأة لـم تأت سلـيـمان إذ أتته مسلـمة، وإنـما أسلـمت بعد مقدمها علـيه وبعد مـحاورة جرت بـينهما ومساءلة.)

و قوله: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الـجِنّ

يقول تعالـى ذكره: قال رئيس من الـجنّ مارد قويّ. وللعرب فـيه لغتان: عفريت، وعفرية فمن قال: عفرية، جمعه: عفـاري ومن قال: عفريت، جمعه: عفـاريت. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٩ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قال مـجاهد : قال عِفْرِيتٌ مِنَ الـجِنّ قال: مارد من الـجنّ أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ.

٢٠٥٣٠ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة وغيره، مثله.

٢٠٥٣١ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن بعض أصحابه قالَ عِفْرِيتٌ قال: داهية.

٢٠٥٣٢ـ قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرنـي وهب بن سلـيـمان، عن شعيب الـجبـائي قال: العفريت الذي ذكره اللّه اسمه: كوزن.

٢٠٥٣٣ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، قَالَ عِفْرِيتٌ اسمه: كوزن.

و قوله: أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ يقول: أنا آتـيك بعرشها قبل أن تقوم من مقعدك هذا. وكان فما ذُكر قاعدا للقضاء بـين الناس، فقال: أنا أتـيك به قبل أن تقوم من مـجلسك هذا الذي جلست فـيه للـحكم بـين الناس. وذكر أنه كان يقعد إلـى انتصاف النهار. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٣٤ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، مثله.

٢٠٥٣٥ـ قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة وغيره، مثله، قال: وكان يقضي قال: قبل أن تقوم من مـجلسك الذي تقضي فـيه.

٢٠٥٣٦ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم، عن وهب بن منبه أنا آتِـيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ يعني مـجلسه.

وقوله وإنّـي عَلَـيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ علـى ما فـيه من الـجواهر، ولا أخون فـيه. وقد

قـيـل: أمين علـى فرج الـمرأة. ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٣٧ـ حدثنـي علـيّ، قال: حدثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عباس ، فـي قوله وإنّـي عَلَـيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ يقول: قويّ علـى حمله، أمين علـى فرج هذه.

﴿ ٣٩