٦٦و قوله: بَلِ ادّارَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الاَخِرَةِ اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة سوى أبـي جعفر وعامة قرّاء أهل الكوفة: بَلِ ادّارَكَ بكسر اللام من (بل) وتشديد الدال من (ادّارك) ، بـمعنى: بل تدارك علـمهم أي تتابع علـمهم بـالاَخرة هل هي كائنة أم لا، ثم أدغمت التاء فـي الدال كما قـيـل: أثّاقَلْتُـمْ إلَـى الأرْضِ وقد بـيّنا ذلك فـيـما مضى بـما فـيه الكفـاية من إعادته. وقرأته عامة قرّاء أهل مكة: (بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الاَخِرَةِ) بسكون الدال وفتـح الألف، بـمعنى هل أدرك علـمهم علـم الاَخرة. وكان أبو عمرو بن العلاء يُنكر فـيـما ذكر عنه قراءة من قرأ: (بَلْ أدْرَكَ) ويقول: إن (بل) إيجاب والاستفهام فـي هذا الـموضع إنكار. ومعنى الكلام: إذا قرىء كذلك (بَلْ أدْرَكَ) لـم يكن ذلك لـم يدرك علـمهم فـي الاَخرة، وبـالاستفهام قرأ ذلك ابن مـحيصن علـى الوجه الذي ذكرت أن أبـا عمرو أنكره. وبنـحو الذي ذكرت عن الـمكيـين أنهم قرءوه ذُكر عن مـجاهد أنه قرأه، غير أنه كان يقرأ فـي موضع بل: أم. ٢٠٥٩٩ـ حدثنا ابن الـمثنى، قال: حدثنا عبد اللّه بن موسى، قال: حدثنا عثمان بن الأسود، عن مـجاهد ، أنه قرأ (أمْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ) وكان ابن عباس فـيـما ذُكر عنه يقرأ بإثبـات ياء فـي بل، ثم يبتدىء أدّارك بفتـح ألفها علـى وجه الاستفهام وتشديد الدال. ٢٠٦٠٠ـ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن الـمفضل، قال: حدثنا شعبة، عن أبـي حمزة، عن ابن عباس فـي هذه الاَية: (بَلـى أدّارَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الاَخِرَةِ) : أي لـم يدرك. حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: حدثنا مـحمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبـي حمزة، قال: سمعت ابن عباس يقرأ بَلـى أدّرَاكَ عِلْـمُهُمِ فِـي الاَخِرَةِ إنـما هو استفهام أنه لـم يدرك. وكأن ابن عباس وجه ذلك إلـى أن مخرجه مخرج الاستهزاء بـالـمكذّبـين بـالبعث. والصواب من القراءات عندنا فـي ذلك القراءتان اللتان ذكرت إحداهما عن قَرأَة أهل مكة والبصرة، وهي (بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ) بسكون لام بل وفتـح ألف أدرك وتـخفـيف دالها، والأخرى منهما عن قرأة الكوفة، وهي بَلِ ادّرَكَ بكسر اللام وتشديد الدال من أدّارك، لأنهما القراءتان الـمعروفتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب عندنا. فأما القراءة التـي ذُكرت عن ابن عباس ، فإنها وإن كانت صحيحة الـمعنى والإعراب، فخلاف لـما علـيه مصاحف الـمسلـمين، وذلك أن فـي بلـى زيادة ياء فـي قراءاته لـيست فـي الـمصاحف، وهي مع ذلك قراءة لا نعلـمها قرأ بها أحد من قرّاء الأمصار. وأما القراءة التـي ذكرت عن ابن مـحيصن، فإن الذي قال فـيها أبو عمرو قول صحيح، لأن العرب تـحقق ببل ما بعدها لا تنفـيه. والاستفهام فـي هذا الـموضع إنكار لا إثبـات، وذلك أن اللّه قد أخبر عن الـمشركين أنهم من الساعة فـي شكّ، فقال: بَلْ هُمْ فِـي شَكّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ. واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: بل أدرك علـمهم فـي الاَخرة فأيقنوها إذ عاينوها حين لـم ينفعهم يقـينهم بها، إذ كانوا بها فـي الدنـيا مكذّبـين. ذكر من قال ذلك: ٢٠٦٠١ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء الـخراسانـي، عن ابن عباس (بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ) قال: بصرهم فـي الاَخرة حين لـم ينفعهم العلـم والبصر. وقال آخرون: بل معناه: بل غاب علـمهم فـي الاَخرة. ذكر من قال ذلك: ٢٠٦٠٢ـ حدثنـي علـيّ، قال: حدثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عباس ، قوله: (بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الاَخِرَةِ) يقول: غاب علـمهم. ٢٠٦٠٣ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: بَلِ ادّرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الاَخِرَةِ قال: يقول: ضلّ علـمهم فـي الاَخرة فلـيس لهم فـيها علـم، هُمْ مِنْهَا عَمُونَ. وقال آخرون: معنى ذلك: لـم يبلغ لهم فـيها علـم. ذكر من قال ذلك: ٢٠٦٠٤ـ حدثنـي عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنـي أبـي، عن جدي، قال: حدثنا الـحسين، عن قتادة فـي قوله: بَلِ ادّارَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الاَخِرَةِ قال: كان يقرؤها: (بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ فِـي الاَخِرَةِ) قال: لـم يبلغ لهم فـيها علـم، ولا يصل إلـيها منهم رغبة. وقال آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَكَ: أم أدرك. ذكر من قال ذلك: ٢٠٦٠٥ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد (بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ) قال: أم أدرك. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عثمان، عن مـجاهد (بَلْ أدْرَكَ عِلْـمُهُمْ) قال: أم أدرك علـمهم من أين يدرك علـمهم. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد ، بنـحوه. قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب علـى قراءة من قرأ (بَلْ أدْرَكَ) القول الذي ذكرناه عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عباس ، وهو أن معناه: إذا قرىء كذلك وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ بل أدرك علـمهم نفس وقت ذلك فـي الاَخرة حين يبعثون، فلا ينفعهم علـمهم به حينئذٍ، فأما فـي الدنـيا فإنهم منها فـي شكّ، بل هم منها عمون. وإنـما قلت: هذا القول أولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب علـى القراءة التـي ذُكِرَتْ، لأن ذلك أظهر معانـيه. وإذ كان ذلك معناه كان فـي الكلام مـحذوف قد استُغنـي بدلالة ما ظهر منه عنه. وذلك أن معنى الكلام: وما يشعرون أيان يُبعثون، بل يشعرون ذلك فـي الاَخرة، فـالكلام إذا كان ذلك معناه، وما يشعرون أبـان يبعثون، بل أدرك علـمهم بذلك فـي الاَخرة، بل هم فـي الدنـيا فـي شكّ منها. وأما علـى قراءة من قرأه بَلِ ادّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال، فـالقول الذي ذكرنا عن مـجاهد ، وهو أن يكون معنى بل: أم، والعرب تضع أم موضع بل، وموضع بل: أم، إذا كان فـي أوّل الكلام استفهام، كما قال الشاعر: فَوَاللّه ما أدْرِي أسَلْـمَى تَغَوّلَتأمِ النّوْمُ أمْ كُلّ إلـيّ حَبِـيبُ يعني بذلك بل كلّ إلـيّ حبـيب، فـيكون تأويـل الكلام: وما يشعرون أيان يبعثون، بل تدارك علـمهم فـي الاَخرة: يعني تتابع علـمهم فـي الاَخرة: أي بعلـم الاَخرة: أي لـم يتتابع بذلك ولـم يعلـموه، بل غاب علـمهم عنه، وضلّ فلـم يبلغوه ولـم يدركوه. و قوله: بَلْ هُمْ فِـي شَكّ مِنْها يقول: بل هؤلاء الـمشركون الذين يسألونك عن الساعة فـي شك من قـيامها لا يوقنون بها ولا يصدّقون بأنهم مبعوثون من بعد الـموت، بَلْ هُمْ مِنْهمَا عمُونَ يقول: بل هم من العلـم بقـيامها عمون. |
﴿ ٦٦ ﴾