٢٣

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَمّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مّنَ النّاسِ يَسْقُونَ ...}.

يقول تعالـى ذكره: ولَـمّا وَرَدَ موسى مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَـيْهِ أُمّةً يعني جماعة مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ نَعَمهم ومواشيهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٠٨٠١ـ حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ وَجَدَ عَلَـيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقونَ يقول: كثرة من الناس يسقون.

٢٠٨٠٢ـ حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، قوله أُمّةً مِنَ النّاسِ قال: أناسا.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد ، مثله.

٢٠٨٠٣ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: وقع إلـى أمة من الناس يسقون بـمدين أهل نَعَم وشاء.

٢٠٨٠٤ـ حدثنا علـيّ بن موسى وابن بشّار، قالا: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا عمران القطان، قال: حدثنا أبو حمزة عن ابن عباس ، فـي قوله: وَلـمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ قال علـيّ بن موسى: قال: مثل ماء جوبكم هذا، يعني الـمـحدثة. وقال ابن بشار: مثل مـحدثتكم هذه، يعني جوابكم هذا.

و قوله: وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرأتَـيْنِ تَذُودَانِ يقول: ووجد من دون أمة الناس الذين هم علـى الـماء، امرأتـين تذودان، يعني ب قوله: تَذُودَان تَـحبِسان غنـمهما يقال منه: ذاد فلان غنـمه وماشيته: إذا أراد شيء من ذلك يَشِذّ ويذهب، فردّه ومنعه يذودها ذَوْدا. وقال بعض أهل العربـية من الكوفـيـين: لا يجوز أن يقال: ذدت الرجل بـمعنى: حبسته، إنـما يقال ذلك للغنـم والإبل. وقد رُوي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : (إنـي لبِعُقْرِ حَوْضِي أذُودُ النّاسَ عَنْهُ بَعَصَايَ) فقد جعل الذّود صلى اللّه عليه وسلم فـي الناس ومن الذّود قول سُوَيد بن كُراع:

أبِـيتُ عَلـى بـابِ القَوَافِـي كأنّـمَاأذُودُ بِها سِرْبـا مِنَ الوَحْشِ نُزّعا

وقول الاَخر:

وَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُو تَـمِيـمٍفَمَا تَدْرِي بأيّ عَصا تَذُودُ )

وبنو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٠٨٠٥ـ حدثنـي علـيّ، قال: حدثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عباس ، قوله: تَذُودانِ يقول: تـحبسان.

حدثنـي العباس ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: حدثنا القاسم، قال: ثنـي سعيد بن جُبَـير، عن ابن عباس وَوَجَدَ مِنْ دونِهِمُ امْرأتَـيْنِ تَذُودانِ يعني بذلك أنهما حابستان.

٢٠٨٠٦ـ حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفـيان، عن أبـي الهيثم، عن سعيد بن جُبَـير، فـي قوله: امْرأتَـيْنِ تَذُودَانِ قال: حابستـين.

٢٠٨٠٧ـ حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ وَوَجَدَ مِنْ دونِهِمْ امْرأتَـيْنِ تَذُودَانِ يقول: تـحبِـان غنـمهما.

واختلف أهل التأويـل فـي الذي كانت عنه تذود هاتان الـمرأتان، فقال بعضهم: كانتا تذودان غنـمهما عن الـماء، حتـى يَصْدُر عنه مواشي الناس، ثم تسقـيان ماشيتهما لضعفهما. ذكر من قال ذلك:

٢٠٨٠٨ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن أبـي مالك قوله: امْرأتَـيْنِ تَذُودانِ قال: تـحبسان غنـمهما عن الناس حتـى يفرغوا وتـخـلو لهما البئر.

٢٠٨٠٩ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرأتَـيْنِ يعني دون القوم تذودان غنـمهما عن الـماء، وهو ماء مدين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تذودان الناس عن غنـمهما. ذكر من قال ذلك:

٢٠٨١٠ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة وَلَـما وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَـيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرأتَـيْنِ تَذُودانِ قال: أي حابستـين شاءهما تذودان الناس عن شأنهما.

٢٠٨١١ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن أصحابه تَذُودانِ قال: تذودان الناس عن غنـمهما.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال معناه: تـحبسان غنـمهما عن الناس حتـى يفرغوا من سقـي مواشيهم.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب لدلالة قوله: ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقـي حتـى يُصْدِرَ الرّعاءُ علـى أن ذلك كذلك، وذلك أنهما شكتا أنهما لا تسقـيان حتـى يصدر الرعاء، إذ سألهما موسى عن ذَوْدِهما، ولو كانتا تذودان عن غنـمهما الناس، كان لا شكّ أنهما كانتا تـخبران عن سبب ذودهما عنها الناس، لا عن سبب تأخر سقـيهما إلـى أن يُصْدِر الرعاء.

و قوله: قالَ ما خَطْبُكُما

يقول تعالـى ذكره: قال موسى للـمرأتـين ما شأنكما وأمركما تذودان ماشيتكما عن الناس، هلا تسقونها مع مواشي الناس والعرب، تقول للرجل: ما خَطْبُك: بـمعنى ما أمرك وحالك، كما قال الراجز:

(يا عَجَبـا ما خَطْبُهُ وَخَطْبـي )

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٠٨١٢ـ حدثنا العباس ، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: أخبرنا القاسم، قال: ثنـي سعيد بن جُبَـيْر، عن ابن عباس ، قال: قال لهما: ما خطْبُكُما معتزلتـين لا تسقـيان مع الناس؟.

٢٠٨١٣ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: وجد لهما رحمة، ودخـلته فـيهما خشية، لـما رأى من ضعفهما، وغَلَبةِ الناس علـى الـماء دونهما، فقال لهما: ما خطبكما: أي ما شأنكما؟.

و قوله: قالَتا لا نَسْقـي حتـى يُصْدِرَ الرّعاءُ

يقول جلّ ثناؤه: قالت الـمرأتان لـموسى: لا نسقـي ماشيتنا حتـى يصدر الرعاء مواشِيَهم، لأنا لا نطيق أن نسقـي، وإنـما نسقـي مواشينا ما أفضلَتْ مواشي الرعاء فـي الـحوض، والرّعاء: جمع راع، والراعي جمعه رعاء ورُعاة ورعيان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٠٨١٤ـ حدثنـي العباس ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: حدثنا القاسم، قال: ثنـي سعيد بن جُبَـير، عن ابن عباس ، قال: لـما قال موسى للـمرأتـين: ما خَطْبُكُما؟ قالَتا لا نَسْقِـي حتـى يُصْدِرَ الرّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِـيرٌ: أي لا نستطيع أن نسقـي حتـى يسقـي الناس، ثم نَتّبع فضلاتهم.

٢٠٨١٥ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُريج، قوله: حتـى يُصْدِرَ الرّعاءُ قال: تنتظران تسقـيان من فضول ما فـي الـحياض حياض الرعاء.

٢٠٨١٦ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق قالَتا لا نَسْقِـي حتـى يُصْدرَ الرّعاءُ امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبُونا شَيْخٌ كَبِـيرٌ لا يقدر أن يـمسّ ذلك من نفسه، ولا يسِقـي ماشيته، فنـحن ننتظر الناس حتـى إذا فرغوا أسقـينا ثم انصرفنا.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: حتـى يُصْدِرَ الرّعاءُ فقرأ ذلك عامة قرّاء الـحجاز سوى أبـي جعفر القارىء وعامة قرّاء العراق سوى أبـي عمرو: يُصْدِر الرّعاءُ بضم الـياء، وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو بفتـح الـياء من يصدر الرعاء عن الـحوض. وأما الاَخرون فإنهم ضموا الـياء، بـمعنى: أصدر الرعاءُ مواشيهم، وهما عندي قراءتان متقاربتا الـمعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

و قوله: وأبُونا شَيْخٌ كَبِـيرٌ يقولان: لا يستطيع من الكبر والضعف أن يسقَـى ماشيته.

و قوله: فَسَقـى لَهُما ذُكِرَ أنه علـيه السلام فتـح لهما عن رأس بئر كان علـيها حَجَر لا يطيق رفعه إلا جماعة من الناس، ثم استسقـى فسقـى لهما ماشيتهما منه. ذكر من قال ذلك:

٢٠٨١٧ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ، قال: فتـح لهما عن بئر حجرا علـى فـيها، فسقـى لهما منها.

٢٠٨١٨ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج بنـحوه، وزاد فـيه: قال ابن جريج: حجرا كان لا يطيقه إلاّ عشرة رَهْط.

٢٠٨١٩ـ حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الـحجّاج، عن الـحكم، عن شريح، قال: انتهى إلـى حجر لا يرفعه إلا عشرة رجال، فرفعه وحده.

٢٠٨٢٠ـ حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: رحمهما موسى حين قالَتا لا نَسْقـي حتـى يُصْدِرَ الرّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِـيرٌ فأتـى إلـى البئر فـاقتلع صخرة علـى البئر كان النفر من أهل مَدْيَنَ يجتـمعون علـيها، حتـى يرفعوها، فسقـى لهما موسى دلوا فأروتا غنـمهما، فرجعتا سريعا، وكانتا إنـما تسقـيان من فُضول الـحياض.

٢٠٨٢١ـ حدثنـي العباس ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا سعيد بن جُبَـير، عن ابن عباس فَسَقَـى لَهُما فجعل يغرف فـي الدلو ماء كثـيرا حتـى كانت أوّل الرعاء رِيا، فـانصرفتا إلـى أبـيهما بغنـمهما.

٢٠٨٢٢ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، قال: تصدّق علـيهما نبـيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسقـى لهما، فلـم يـلبث أن أروى غنـمهما.

٢٠٨٢٣ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: أخذ دلوهُما موسى، ثم تقدّم إلـى السقاء بفضل قوّته، فزاحم القوم علـى الـماء حتـى أخّرهم عنه، ثم سقـى لهما.

﴿ ٢٣