٢٨

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ضَرَبَ لَكُمْ مّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لّكُمْ مّن مّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ... }.

يقول تعالـى ذكره: مثل لكم أيها القوم ربكم مثلاً من أنفسكم، هل لكم مـما ملكت أيـمانكم يقول: من مـمالـيككم من شركاء، فـيـما رزقناكم من مال، فأنتـم فـيه سواء وهم. يقول: فإذا لـم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتـم أن تكون آلهتكم التـي تعبدونها لـي شركاء فـي عبـادتكم إياي، وأنتـم وهم عبـيدي ومـمالـيكي، وأنا مالك جميعكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢١٢٧٦ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أنْفُسكمْ هَلْ لَكُمْ مِـمّا مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِـيـما رَزَقْناكُمْ، فأنْتُـمْ فِـيهِ سَوَاءٌ قال: مثل ضربه اللّه لـمن عدل به شيئا من خـلقه، يقول: أكان أحدكم مشاركا مـملوكه فـي فراشه وزوجته، فكذلكم اللّه لا يرضى أن يعدل به أحد من خـلقه.

٢١٢٧٧ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مـمّا مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِـيـما رَزَقْناكُمْ، فأنْتُـمْ فِـيهِ سَوَاءٌ قال: هل تـجد أحدا يجعل عبده هكذا فـي ماله، فكيف تعمد أنت وأنت تشهد أنهم عبـيدي وخـلقـي، وتـجعل لهم نصيبـا فـي عبـادتـي، كيف يكون هذا؟ قال: وهذا مثل ضربه اللّه لهم، وقرأ: كَذلكَ نُفَصّلُ الاَياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: تَـخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أنْفُسَكُمْ فقال بعضهم: معنى ذلك: تـخافون هؤلاء الشركاء مـما ملكت أيـمانكم أن يرثوكم أموالكم من بعد وفـاتكم، كما يرث بعضكم بعضا. ذكر من قال ذلك:

٢١٢٧٨ـ حُدثت عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عباس ، قال: فـي الاَلهة، وفـيه يقول: تـخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تـخافون هؤلاء الشركاء مـما ملكت أيـمانكم أن يقاسموكم أموالكم، كما تقاسم بعضكم بعضا. ذكر من قال ذلك:

٢١٢٧٩ـ حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: حدثنا الـمعتـمر، قال: سمعت عمران قال: قال أبو مـجلز: إن مـملوكك لا تـخاف أن يقاسمك مالك، ولـيس له ذلك، كذلك اللّه لا شريك له.

وأولـى القولـين بـالصواب فـي تأويـل ذلك القول الثانـي، لأنه أشبههما بـما دلّ علـيه ظاهرالكلام، وذلك أن اللّه جل ثناؤه وبخ هؤلاء الـمشركين الذين يجعلون له من خـلقه آلهة يعبدونها، وأشركوهم فـي عبـادتهم إياه، وهم مع ذلك يقرّون بأنها خـلقه وهم عبـيده، وعيرهم بفعلهم ذلك، فقال لهم: هل لكم من عبـيدكم شركاء فـيـما خوّلناكم من نعمنا، فهم سواء، وأنتـم فـي ذلك تـخافون أن يقاسموكم ذلك الـمال الذي هو بـينكم وبـينهم، كخيفة بعضكم بعضا أن يقاسمه ما بـينه وبـينه من الـمال شركة فـالـخيفة التـي ذكرها تعالـى ذكره بأن تكون خيفة مـما يخاف الشريك من مقاسمة شريكه الـمال الذي بـينهما إياه أشبه من أن تكون خيفة منه بأن يرثه، لأن ذكر الشركة لا يدلّ علـى خيفة الوراثة، وقد يدلّ علـى خيفة الفراق والـمقاسمة.

و قوله: كذلكَ نُفَصّلُ الاَياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

يقول تعالـى ذكره: كما بـيّنا لكم أيها القوم حججنا فـي هذه الاَيات من هذه السورة علـى قدرتنا علـى ما نشاء من إنشاء ما نشاء، وإفناء ما نـحبّ، وإعادة ما نريد إعادته بعد فنائه، ودللنا علـى أنه لا تصلـح العبـادة إلاّ للواحد القهار، الذي بـيده ملكوت كلّ شيء، كذلك نبـين حججنا فـي كل حقّ لقوم يعقلون، فـيتدبرونها إذا سمعوها، ويعتبرون فـيتعظون بها.

﴿ ٢٨