٣٤

و قوله: وَقالُوا الـحَمْدُ للّه الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ اختلف أهل التأويـل فـي الـحَزَن الذي حمد اللّه علـى إذهابه عنهم هؤلاء القوم، فقال بعضهم: ذلك الـحزَن الذي كانوا فـيه قبل دخولهم الـجنة من خوف النار، إذ كانوا خائفـين أن يدخـلوها. ذكر من قال ذلك:

٢٢١٧٨ـ حدثنـي قتادة بن سعيد بن قتادة السدوسيّ، قال: حدثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي، قال: حدثنا أبـي، عن عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عباس ، فـي قوله: الـحَمْدُ للّه الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ قال: حزن النار.

٢٢١٧٩ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن يحيى بن الـمختار، عن الـحسن وَإذَا خاطَبَهُمُ الـجاهِلُونَ قالُوا سَلاما قال: إن الـمؤمنـين قوم ذُلُل، ذلّت واللّه الأسماع والأبصار والـجوارح، حتـى يحسبهم الـجاهل مَرْضَى، وما بـالقوم مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخـلهم من الـخوف ما لـم يدخـل غيرهم، ومنعهم من الدنـيا علـمهم بـالاَخرة، فقالوا: الـحَمْدُ للّه الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ، والـحَزَن، واللّه ما حزنهم حزن الدنـيا، ولا تعاظم فـي أنفسهم ما طلبوا به الـجنة أبكاهم الـخوف من النار، وإنه من لا يتعزّ بعزاء اللّه يقطّع نفسه علـى الدنـيا حسرات، ومن لـم ير للّه علـيه نعمة إلاّ فـي مطعم أو مشرب، فقد قلّ علـمه، وحضر عذابه.

وقال آخرون: عُنـي به الـموت. ذكر من قال ذلك:

٢٢١٨٠ـ حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية، فـي قوله: الـحَمْدُ للّه الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ قال: الـموت.

وقال آخرون: عُنـي به حزن الـخبز. ذكر من قال ذلك:

٢٢١٨١ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن حفص، يعني ابن حميد، عن شمر، قال: لـما أدخـل اللّه أهل الـجنة الـجنة، قالوا الـحَمْدُ للّه الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ قال: حزن الـخبز.

وقال آخرون: عُنـي بذلك: الـحَزَن من التعب الذي كانوا فـيه فـي الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

٢٢١٨٢ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: وَقالُوا الـحَمْدُ للّه الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ قال: كانوا فـي الدنـيا يعملون وينصَبون وهم فـي خوف، أو يحزنون.

وقال آخرون: بل عُنـي بذلك الـحزن الذي ينال الظالـم لنفسه فـي موقـف القـيامة. ذكر من قال ذلك:

٢٢١٨٣ـ حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفـيان، عن الأعمش، قال: ذكر أبو ثابت أن أبـا الدرداء، قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (أمّا الظّالِـمُ لِنَفْسِهِ، فَـيُصِيبُهُ فِـي ذَلكَ الـمَكانِ مِنَ الغَمّ والـحَزَنِ، فَذلكَ قوله: الـحَمْدُ للّه الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ) .

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن اللّه تعالـى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بـما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخـلوا الـجنة الـحَمْدُ للّه الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ وخوف دخول النار من الـحزن، والـجَزَع من الـموت من الـحزن، والـجزع من الـحاجة إلـى الـمطعم من الـحزن، ولـم يخصص اللّه إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه علـى إذهابه الـحزن عنهم نوعا دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنوع الـحزن بقوله م ذلك، وكذلك ذلك، لأن من دخـل الـجنة فلا حزن علـيه بعد ذلك، فحمدهم علـى إذهابه عنهم حميع معانـي الـحزن.

و قوله: إنّ رَبّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفـاهم من عبـاده عند دخولهم الـجنة: إن ربنا لغفور لذنوب عبـاده الذين تابوا من ذنوبهم، فساترها علـيهم بعفوه لهم عنهم، شكور لهم علـى طاعتهم إياه، وصالـح ما قدّموا فـي الدنـيا من الأعمال. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٢١٨٤ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: إنّ رَبّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ لـحسناتهم.

٢٢١٨٥ـ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر إنّ رَبّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ غفر لهم ما كان من ذنب، وشكر لهم ما كان منهم.

﴿ ٣٤