٩

و قوله: وَجَعَلْنا مِنْ بـينِ أيْدِيهِمْ سَدّا

يقول تعالـى ذكره: وجعلنا من بـين أيدي هؤلاء الـمشركين سدّا، وهو الـحاجز بـين الشيئين إذا فتـح كان من فعل بنـي آدم، وإذا كان من فعل اللّه كان بـالضمّ. وبـالضمّ قرأ ذلك قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين. وقرأه بعض الـمكيـين وعامة قرّاء الكوفـيـين بفتـح السين سَدّا فـي الـحرفـين كلاهما والضم أعجب القراءتـين إلـيّ فـي ذلك، وإن كانت الأخرى جائزة صحيحة.

وعنى ب قوله: وَجَعَلْنا مِن بـينِ أيْدِيهِمْ سَدّا وَمِنْ خَـلْفِهِمْ سَدّا أنه زيّن لهم سوء أعمالهم، فهم يَعْمَهون، ولا يبصرون رشدا، ولا يتنبهون حقا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

٢٢٢٢٣ـ حدثنـي ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزّة، عن مـجاهد ، فـي قوله: مِنْ بـينِ أيْدِيهِمْ سَدّا وَمِنْ خَـلْفِهِمْ سَدّا قال: عن الـحقّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وَجَعَلْنا مِنْ بـين أيْديهِمْ سَدّا وَمِنْ خَـلْفهِمْ سَدّا عن الـحقّ فهم يتردّدون.

٢٢٢٢٤ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة وَجَعَلْنا مِنْ بـينِ أيْدِيهِمْ سدّا وَمِنْ خَـلْفِهِمْ سَدّا قال: ضلالات.

٢٢٢٢٥ـ حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول اللّه : وَجَعَلْنا مِنْ بَـينِ أيْدِيهِمْ سَدّا وَمِنْ خَـلْفِهِمْ سَدّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال: جعل هذا سدّا بـينهم وبـين الإسلام والإيـمان، فهم لا يخـلصون إلـيه، وقرأ: وَسَوَاءٌ عَلَـيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ أمْ لَـمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، وقرأ: إنّ الّذِينَ حَقّتْ عَلَـيْهِمْ كَلِـمَةُ رَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ... الاَية كلها، وقال: من منعه اللّه لا يستطيع.

و قوله: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ يقول: فأغشينا أبصار هؤلاء: أي جعلنا علـيها غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به، كما:

٢٢٢٢٦ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ هُدًى، ولا ينتفعون به.

وذُكر أن هذه الاَية نزلت فـي أبـي جهل بن هشام حين حلف أن يقتله أو يشدخ رأسه بصخرة. ذكر الرواية بذلك:

٢٢٢٢٧ـ حدثنـي عمران بن موسى، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا عُمارة بن أبـي حفصة، عن عكرمة قال: قال أبو جهل: لئن رأيت مـحمدا لأفعلنّ ولأفعلنّ، فأنزلت: إنّا جَعَلْنا فِـي أعْناقِهِمْ أغْلالاً... إلـى قوله فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال: فكانوا يقولون: هذا مـحمد، فـيقول: أين هو، أين هو؟ لا يبصره.

وقد رُوي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: (فَأَعْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) بـالعين بـمعنى أعشيناهم عنه، وذلك أن العَشَا هو أن يـمشي بـاللـيـل ولا يبصر.

﴿ ٩