٣٩

و قوله: هَذَا عَطاؤُنا فـامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرٍ حِسابٍ. اختلف أهل التأويـل فـي الـمشار إلـيه ب قوله: هَذَا من العطاء، وأيّ عطاء أريد ب قوله: عَطاؤنا، فقال بعضهم: عُنـي به الـملك الذي أعطاه اللّه . ذكر من قال ذلك:

٢٢٩٩٨ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، فـي قوله: هَذَا عَطاؤُنَا فـامْنُنْ أوْ أمْسِك بغَيرِ حِسابٍ قال: قال الـحسن: الـملك الذي أعطيناك فأعط ما شئت وامنع ما شئت.

٢٢٩٩٩ـ حُدثت عن الـمـحاربـيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك هَذَا عَطاؤُنا: هذا ملكنا.

وقال آخرون: بل عُنـي بذلك تسخيره له الشياطين، وقالوا: ومعنى الكلام: هذا الذي أعطيناك من كلّ بناء وغوّاص من الشياطين، وغيرهم عطاؤنا. ذكر من قال ذلك:

٢٣٠٠٠ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة هَذَا عَطاؤُنا فـامْنُنْ أوْ أَمْسِكْ بغَيرٍ حِسابٍ قال: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم فـي وثاقك وفـي عذابك أو سرّح من شئت منهم تتـخذ عنده يدا، اصنع ما شئت.

وقال آخرون: بل ذلك ما كان أوتـي من القوّة علـى الـجماع. ذكر من قال ذلك:

٢٣٠٠١ـ حُدثت عن أبـي يوسف، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس ، قال: كان سلـيـمان فـي ظهره ماءُ مِئَة رجل، وكان له ثلاث مئة امرأة وتسع مِئَة سُرّيّة هَذَا عَطاؤُنَا فَـامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الـحسن والضحاك من أنه عُنـي بـالعطاء ما أعطاه من الـملك تعالـى ذكره، وذلك أنه جل ثناؤه ذكر ذلك عُقَـيب خبره عن مسألة نبـيه سلـيـمان صلوات اللّه وسلامه علـيه إياه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لـم يُسَخّر لأحد من بنـي آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين علـى ما وصفت، ثم قال له عزّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من الـمُلك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألْتنا أن نهبه لك من الـملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك فـامْنُنْ أو أَمْسِكْ بغَيْرِ حِسابٍ.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله فـامْنُنْ أوْ أَمْسِكْ بغَيْرِ حِسابٍ فقال بعضهم: عَنَى ذلك: فأعط من شئت ما شئت من الـمُلك الذي آتـيناك، وامنع من شئت منه ما شئت، لا حساب علـيك فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:

٢٣٠٠٢ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، قال: قال الـحسن فـامْنُنْ أوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ الـمُلك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت، فلـيس علـيك تَبِعة ولا حساب.

٢٣٠٠٣ـ حُدثت عن الـمـحاربـيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك فَـامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ سأل مُلكا هنـيئا لا يُحاسب به يوم القـيامة، فقال: ما أعْطَيْت، وما أمْسَكت، فلا حرج علـيك.

٢٣٠٠٤ـ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـيه، عن عكرمة فـامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسابٍ قال: أعط أو أمسك، فلا حساب علـيك.

٢٣٠٠٥ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: حدثنا الـحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـامْنُنْ قال: أعط أو أمسك بغير حساب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أَعْتِق من هؤلاء الشياطين الذين سخرناهم لك من الـخدمة، أو من الوَثاق مـمن كان منهم مُقَرّنا فـي الأصفـاد مَن شئت واحبس مَنْ شئت فلا حرج علـيك فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:

٢٣٠٠٦ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة فـامْنُنْ أوْ أَمْسِكْ بغَيرِ حِسابٍ يقول: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم فـي وَثاقك وفـي عذابك، وسرّح من شئت منهم تتـخذ عنده يدا، اصنع ما شئت لا حساب علـيك فـي ذلك.

٢٣٠٠٧ـ حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عباس فـامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بغَيرِ حِسابٍ يقول: أعتق من الـجنّ من شئت، وأمسك من شئت.

٢٣٠٠٨ـ حدثنا مـحمد، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: فـامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بغَيرِ حِسابِ قال: تَـمُنّ علـى من تشاء منهم فتُعْتِقُهُ، وتـمُسِك من شئت فتستـخدمه لـيس علـيك فـي ذلك حساب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطيناك من القوّة علـى الـجماع عطاؤنا، فجامع من شئت من نسائك وجواريك ما شئت بغير حساب، واترك جماع من شئت منهنّ.

وقال آخرون: بل ذلك من الـمقدّم والـمؤخر. ومعنى الكلام: هذا عطاؤنا بغير حساب، فـامُننْ أو أمسك. وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد اللّه : (هذا فـامْنُنْ أوْ أمْسِكْ عَطاؤُنا بِغَيرِ حِسابٍ) .

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من البصريـين يقول فـي قوله: بغَيرِ حِسابٍ وجهان أحدهما: بغير جزاء ولا ثواب، والاَخر: مِنّةٍ ولا قِلّةٍ.

والصواب من القول فـي ذلك ما ذكرته عن أهل التأويـل من أن معناه: لا يحاسب علـى ما أعطى من ذلك الـمُلك والسلطان. وإنـما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـيه.

﴿ ٣٩