٤٠

و قوله: وَإنّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفَـى وَحُسْنَ مآبٍ يقول: وإن لسلـيـمان عندنا لقُرْبةً بإنابته إلـينا وتوبته وطاعته لنا، وحُسْنَ مآب: يقول: وحسن مرجع ومصير فـي الاَخرة، كما:

٢٣٠٠٩ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة وَإنّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفَـى وَحُسْنَ مآبٍ: أي مصير.

إن قال لنا قائل: وما وجه رغبة سلـيـمان إلـى ربه فـي الـملك، وهو نبـيّ من الأنبـياء، وإنـما يرغب فـي الـملك أهل الدنـيا الـمؤثِرون لها علـى الاَخرة؟ أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتـيَ مثلَ الذي أوتـي من ذلك؟ أكان به بخـل بذلك، فلـم يكن من مُلكه، يُعطي ذلك من يُعطاه، أم حسد للناس، كما ذُكر عن الـحجاج بن يوسف فإنه ذكر أنه قرأ قوله: وَهَبْ لـي مُلْكا لا يَنْبَغي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فقال: إن كان لـحسودا، فإن ذلك لـيس من أخلاق الأنبـياء

قـيـل: أما رغبته إلـى ربه فـيـما يرغب إلـيه من الـمُلك، فلـم تكن إن شاء اللّه به رغبةٌ فـي الدنـيا، ولكن إرادةٌ منه أن يعلـم منزلته من اللّه فـي إجابته فـيـما رغب إلـيه فـيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءَه.

وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فـيـما مضى قبلُ قولَ من قال: إن معنى ذلك: هب لـي مُلكا لا أُسلبه كما سْلِبتُه قبل. وإنـما معناه عند هؤلاء: هب لـي مُلكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسلُبنـيه. وقد يتـجه ذلك أن يكون بـمعنى: لا ينبغي لأحد سواي من أهل زمانـي، فـيكون حجة وعَلَـما لـي علـى نبوّتـي وأنـي رسولك إلـيهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بدّ لها من أعلام تفـارق بها سائر الناس سواهم. ويتـجه أيضا لأن يكون معناه: وهب لـي مُلكا تَـخُصّنِـي به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفـا منك لـي بذلك، وتكرمة، لتبـين منزلتـي منك به من منازل من سواي، ولـيس فـي وجه من هذه الوجوه مـما ظنه الـحجاج فـي معنى ذلك شيء.

﴿ ٤٠