٢٢

وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ في الدنيا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ يوم القيامة سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ، فقال بعضهم: معناه: وما كنتم تستَخْفُون. ذكر من قال ذلك:

٢٣٥٢٥ـ حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد، بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ: أي تَسْتَخْفُون منها.

وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتقون. ذكر من قال ذلك:

٢٣٥٢٦ـ حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ قال: تتقون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون. ذكر من قال ذلك:

٢٣٥٢٧ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ يقول: وما كنتم تظنون أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ حتى بلغ كَثِيرا مِمّا كنتم تَعْملَونَ، واللّه إن عليك با ابن آدم لشهودا غير متهمة من بدنك، فراقبهم واتق اللّه في سرّ أمرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسرّ عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو باللّه حسن الظنّ فليفعل، ولا قوّة إلا باللّه .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تستَخْفُون، فتتركوا ركوب محارم اللّه في الدنيا حذرا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن المعروف من معاني الاستتار الاستخفاء.

فإن قال قائل: وكيف يستخفى الإنسان عن نفسه مما يأتي؟

قيل: قد بيّنا أن معنى ذلك إنما هو الأماني، وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه.

و قوله: وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنّ اللّه لا يَعْلَمُ كَثِيرا مِمّا كنتم تَعْمَلُونَ

يقول جلّ ثناؤه: ولكن حسبتم حين ركبتم في الدنيا من معاصي اللّه أن اللّه لا يعلم كثيرا مما تعملون من أعمالكم الخبيثة، فلذلك لم تستتروا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم، فتتركوا ركوب ما حرّم اللّه عليكم.

وذُكر أن هذه الاَية نزلت من أجل نفر تدارَؤا بينهم في علم اللّه بما يقولونه ويتكلمون سرّا. ذكر الخبر بذلك.

٢٣٥٢٨ـ حدثني محمد بن يحيى القطعي، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا قيس، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر الأزدي، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: كنت مستترا بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر، ثَقَفيان وقُرشيّ، أو قُرشيان وثَقَفى، كثير شحوم بطونهما، قليل فقه قلوبهما، فتكلموا بكلام لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أن اللّه يسمع ما نقول؟ فقال الرجلان: إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع لم يسمع، فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الاَية: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ... إلى آخر الاَية.

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، قال: ثني الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: إني لمستتر بأستار الكعبة، إذ دخل ثلاثة نفر، ثقفي وختناه قرشيان، قليل فقه قلوبهما، كثير شحوم بطونهما، فتحدثوا بينهم بحديث، فقال أحدهم: أترى اللّه يسمع ما قلنا؟، فقال الاَخر: إنه يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع إذا خفضنا. وقال الاَخر: إذا كان يسمع منه شيئا فهو يسمعه كله، قال: فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فذكرت ذلك له، فنزلت هذه الاَية: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارَكُمْ... حتى بلغ وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ المُعْتَبِينَ.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: ثني منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد اللّه بنحوه.

﴿ ٢٢