١٦

القول فـي تأويـل قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّه وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ ...}.

يقول تعالى ذكره: أَلمْ يَأَنِ للّذِينَ آمَنُوا: ألم يحن للذين صدّقوا اللّه ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر اللّه ، فتخضع قلوبهم له، ولما نزل من الحقّ، وهو هذا القرآن الذي نزّله على رسوله صلى اللّه عليه وسلم . ذكر من قال ذلك:

٢٦٠٢٩ـ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ، قوله: أَلَمْ يَأَنِ لِلّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّه قال: تطيع قلوبهم.

٢٦٠٣٠ـ حدثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة ألَمْ يأَنِ لِلّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّه ....

٢٦٠٣١ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: أَلَمْ يأنِ لِلّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّه ... الآية. ذُكر لنا أن شدّاد بن أوس كان يروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال: (إن أوّلَ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاس الخُشُوعُ) .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ، قال: كان شدّاد بن أوس يقول أوّل ما يرفع من الناس الخشوع.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: وَما نَزَلَ مِنَ الحَقّ فقرأته عامة القرّاء غير شيبة ونافع بالتشديد (نَزّل) ، وقرأه شيبة ونافع، وما نزل بالتخفيف، وبأيّ القراءتين قرأ القارىء فمصيب، لتقارب معنييهما.

و قوله: وَلا يَكُونُوا كالّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْل فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ يقول تعالى ذكره: ألم يأن لهم أن ولا يكونوا، يعني الذين آمنوا من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم كالّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يعني من بني إسرائيل، و يعني بالكتاب الذي أوتوه من قبلهم التوراة والإنجيل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

٢٦٠٣٢ـ حدثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا جرير، عن مُغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: جاء عتريس ابن عرقوب إلى ابن مسعود، فقال: يا عبد اللّه هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد اللّه : هلك من لم يعرف قلبه معروفا، ولم ينكر قلبه منكرا، إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه قال: فجعل رجل منهم كتاب اللّه في قرن، ثم جعل القَرَن بين ثندُوَتَيْهِ فلما

قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به، ويومىء إلى القرن الذي بين ثندُوَتَيْهِ، ومالي لا أومن بهذا الكتاب، فمن خير مللّهم اليوم ملة صاحب القرن.

و يعني ب قوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ ما بينهم وبين موسى صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك الأمد الزمان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

٢٦٠٣٣ـ حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: الأَمَدُ قال: الدهر.

و قوله: فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ عن الخيرات، واشتدّت على السكون إلى معاصي اللّه وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ

يقول جلّ ثناؤه: وكثير من هؤلاء الذين أوتوا الكتاب من قبل أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فاسقون.

﴿ ١٦