٣٣

{ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ }

١) الأنبياء صفوة الخلق

٢) الجهاد (الجزية)

٣) الجهاد (هدفه)

٤) الجهاد

ثم أبَانَ (جلَّ ثناؤه): أنَّ خيرَتَه مِنْ خلقِه: أنبياؤه؛ ف

قال تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللّه ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} ؛ فجعَل النبيينَ (صلى اللّه عليه وسلم) من أصْفِيائه -دون عباده -: بالأمانةِ على وحيِه، والقيامِ بحُجَّتِهِ فيهم.ثم ذَكر مِن خاصَّةِ صَفْوَتِهْ، ف

قال: {إِنَّ ٱللّه ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}  فَخَصَّ آدمَ ونوحاً: بإعادةِ ذِكْرِ اصْفِائِهما. وذَكرَ إبراهيمَ(عليه السلامُ)، ف

قال: {وَٱتَّخَذَ ٱللّه إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} . وذَكرَ إسماعيلَ بن إبراهيمَ، ف

قال: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} .ثم أنعم اللّه (عزّ وجلّ) على آل إبراهيمَ، وآلِ عمرانَ فى الأُمم؛ ف

قال: {إِنَّ ٱللّه ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .ثم اصْطَفَى محمداً (صلى اللّه عليه وسلم) من خَيْر آلِ إِبراهيمَ؛ وأنزَل كتُبَه - قبل إنزالِ القرآنِ على محمد صلى اللّه عليه وسلم -: بصفة فضيلتِه، وفضيلةِ مَن اتبعه؛ ف

قال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللّه وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللّه وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ} الآية: .وقال لأمته: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ؛ ففَضَّلهم: بكَيْنُونَتِهم من أمَّتِهِ، دون أُمم الأنبياءِ قبلَه.ثم أخبر (جلَّ ثناؤه): أنه جعله فاتحَ رحمتهِ، عند فَتْرَة رسلِه؛ ف

قال: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} ؛

قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} . وكان فى ذلك، ما دل: على أنه بعثه إلى خلقه -: لأنهم كانوا أهلَ كتاب وَأميين: - وأنهُ فَتَحَ به رحمتَه.وختَم به نُبُوَّتَه: قال عز وجل: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللّه وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ}  .وقَضَى: أن أظهَرَ دينَهُ على الأديان؛ ف

قال: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} .

* * *

(أنا) أبو سعيد محمدُ بن موسى، نا أبو العباس الأصَمُّ، أنا الربيع،

قال:

قال الشافعى (رحمه اللّه): قال اللّه جل ثناؤه: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} .

قال الشافعى: فقد أظهر اللّه (جل ثناؤه) دينَه -: الذى بَعث به رسولَه صلى اللّه عليه وسلم - على الأدْيانِ: بأنْ أبَانَ لكل مَن سمِعه: أنه الحقُّ؛ وما خالفه -: من الأدْيانِ. -: باطلٌ.وأظهرَه: بأنَّ جِماعَ الشِّركِ دِينانِ: دِينُ أهلِ الكتابِ، ودِينُ الأمِّيِّينَ. فقَهرَ رسولُ اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) الأمِّيِّينَ: حتى دانُوا بالإسلامِ طَوْعاً وكَرْهاً؛ وقَتَل مِن أهلِ الكتابِ، وسَبَى: حتى دانَ بعضُهم بالإسلامِ، وأعطى بعضٌ الجزْيةَ: صاغِرِينَ؛ وجَرَى عليهم حُكمُه (صلى اللّه عليه وسلم). وهذا: ظهورُ الدِّين كلِّه.

قال الشافعى: وقد ي

قالُ: لَيُظْهِرَنَّ اللّه دِينَه، على الأدْيانِ: حتى لا يُدانَ اللّه إلا به. وذلك: مَتَى شاء اللّه عز وجل.

(أنا) أبو عبد اللّه الحافظُ، أنا أبو العباس، أنا الربيع، أنا الشافعى،

قال: قال اللّه عزوجل: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ؛ وقال جل ثناؤه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للّه} ..

قال فى موضع آخَرَ: فقيل فيه: (فِتْنَةٌ): شِركٌ؛ {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ}: واحداً {للّه} ..

وذَكَر حديثَ أبى هريْرَةَ، عن النبى (صلى اللّه عليه وسلم): لا أزالُ أقاتِلُ الناسَ، حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللّه..

قال الشافعى: وقال اللّه تعالى: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللّه وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللّه وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ..

وذَكَر حديثَ بُرَيْدَةَ عن النبى (صلى اللّه عليه وسلم): فى الدُّعاءِ إلى الإسلامِ؛ وقولَه: فإن لم يُجِيبُوا إلى الإسلامِ: فادْعُهُمء إلى أنْ يُعطوا الجزْيةَ؛ فإن فعلوا: فاقْبَلْ منهم ودَعْهُم؛ وإن أبَوْا: فاسْتَعِنْ باللّه وقاتِلْهم..

ثم

قال: وليستْ واحدةٌ -: من الآيتَيْنِ. -: ناسِخة للأُخرى؛ ولا واحدٌ -: من الحديثيْنِ. -: ناسخاً للآخَرِ، ولا مُخالفاً له. ولكن إحدى الآيتَيْنِ والحديثَيْنِ: من الكلام الذى مَخْرَجُه عامٌّ: يُرادُ به الخاصُّ؛ ومن الجُمَل التى يَدُلُّ عليها المفَسِّرُ.فأمْرُ اللّه (تعالى):بقتالِ المشركينَ حتى يؤمنوا؛ (واللّه أعلم): أمْرُه بقتالِ المشركينَ: من أهل الأوثانِ. وكذلك حديثُ أبى هريْرَة: فى المشركينَ من أهل الأوثان؛ دونَ أهلِ الكتاب. وفَرْضُ اللّه: قتالَ أهلِ الكتابِ حتى يُعطُوا الجزْيَة عن يدٍ وهم صاغِرُونَ -: إن لم يؤمنوا. - وكذلك حديثُ بُرَيْدَةَ: فى أهل الأوثانِ خاصَّةًفالفرْضُ فيمن دَانَ وآباؤه دِينَ أهلِ الأوْثانِ -: من المشرَكينَ. -: أنْ يقاتَلُوا: إذ قُدِرَ عليهم؛ حتى يُسلِموا. ولا يَحِلُّ: أنْ يُقبَلَ منهم جِزْيةٌ؛ بكتابِ اللّه، وسنةِ نبيِّه.

والفرضُ فى أهلِ الكتابِ، ومَن دَانَ قبلَ نزولِ القرآن كلِّه دِينَهُم -: أنْ يُقاتَلُوا حتى يُعطُوا الجِزيةَ، أو يُسلِموا. وسواءٌ كانوا عَرباً، أو عَجَماً..

قال الشافعى: وللّه (عز وجل) كُتُبٌ: نزلتْ قبلَ نزولِ القرآنِ؛ المعروفُ منها - عند العامَّةِ -: التَّوْراةُ والإنْجيلُ. وقد أخبرَ اللّه(عزوجل): أنه أنزَل غيرَهما؛ ف

قال: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} . وليس يعرَفُ تِلاوَةُ كتابِ إبراهيمَ. وذَكَر زَبُورَ داوُدَ؛ ف

قال: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} .

قال: والمَجُوسُ: أهلُ كتابٍ: غيرِ التَّوْراةِ والإنجِيلِ؛ وقد نَسُوا كتابَهم وبَدّلُوه. وأذِنَ رسولُ اللّه (صلى اللّه عليه وسلم): فى أخْذِ الجِزْيةِ منهم..

قال الشافعى: ودانَ قومٌ -: من العرب. - دينَ أهل الكتابِ، قبلَ نزولِ القرآنِ: فأخَذَ رسولُ اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) من بعضهم، الجِزْيةَ؛ وسَمَّى منهم - فى موضع آخَرَ -: أُكَيْدِرَ دُومَةَ؛ وهو رجلٌ ي

قال: من غَسَّانَ أو كِنْدَةَ..

(أنا) أبو سعيد، نا أبو العباس، أنا الربيع، أنا الشافعى،

قال: حَكَم اللّه (عز وجل) فى المشركينَ، حُكْمَيْنِ. فَحكَم: أنْ يُقاتَلَ أهلُ الأوْثانِ: حتى يُسلِموا؛ وأهلُ الكتابِ: حتى يُعطُوا الجِزْيةَ:إن لم يُسلِموا.وأحَلَّ اللّه نساءَ أهلِ الكتابِ، وطعامَهم. فقيل: طعامُهم: ذبائحُهُمفاحْتَمَلَ: كلَّ أهلِ الكتابِ، وكلَّ مَن دَان دِينَهم.واحْتَمَلَ:أنْ يكونَ أراد بعضَهم، دونَ بعضٍ.وكانتْ دَلالَةُ ما يُروَى عن النبىِّ (صلى اللّه عليه وسلم)، ثم ما لا أعلمُ فيه مُخالفاً -: أنه أراد:أهلَ التَّوراةِ والإنجيلِ -: من بنى إسْرائيلَ. - دونَ المجُوسِ.وبسَطَ الكلامَ فيه، وفَرَقَ بيْن بنى إسْرائيلَ؛ ومَن دَانَ دِينَهم قبلَ الإسلامِ -:من غيرِ بنى إسْرائيلَ. -: بما ذَكَر اللّه (عز وجل) -: من نِعمتِه على بنى إسْرائيلَ. - فى غيرِ موضعٍ من كتابِه؛ وما آتاهم دونَ غيرِهم من أهلِ دَهرِهم.فَمن دَانَ دِينَهم -: من غيرِهم. - قبلَ نزولِ القرآن: لم يكونوا أهلَ كتاب؛ إلا: لمعنى؛ لا: أهلَ كتابٍ مطْلَقٍ.فتُؤخَذُ منهم الجِزْيةُ، ولا تُنكَحُ نساؤهم، ولا تُؤكَلُ ذبائحُهُم: كالمجُوسِ. لأن اللّه (عز وجل) إنما أحَلَّ لنا ذلك: من أهلِ الكتابِ الذين عليهم نَزَل.وذَكَر الرَّوايةَ فيه، عن عمرَ وعلىٍّ رضى اللّه عنهما.

قال الشافعى: والذى عن ابن عباس: فى إحْلالِ ذبائحِهم؛ وأنه تلا: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}  -: فهو لو ثَبَت عن ابن عباسٍ: كان المذهبُ إلى قولِ عمرَ وعلىٍّ (رضى اللّه عنهما): أوْلى؛ ومعه المعقولُ. فأما: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}؛ فمعناها: على غيرِ حُكْمِهم..

قال الشافعى: وإن كان الصَّابِئُونَ والسَّامِرَةُ: من بنى إسْرائيل، ودَانُوا دِينَ اليهودِ والنصارَى -: نُكِحَتْ نساؤهم، وأُكِلَتْ ذبائحُهُم:وإن خالفُوهم فى فرعٍ من دِينِهم. لأنهم فُروعٌ قد يَختلِفونَ بيْنَهموإن خالفُوهم فى أصلِ الدَّيْنُونَةِ: لم تُؤكَلْ ذبائحُهُم، ولم تُنْكَحْ نساؤهُم..

(أنا) أبو سعيد، نا أبو العباس، أنا الربيع،

قال:

قال الشافعى: قال اللّه تبارك وتعالى: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ؛ فلم يأذَنْ (عز وجل): فى أنْ تُؤخَذَ الجِزْيةُ ممَّن أمَرَ بأخذها منه، حتى يُعطِيَها عن يدٍ: صاغِراً.

قال: وسمعتُ رجالاً -: من أهل العلم. - يقولون: الصَّغَارُ: أن يَجْرِىَ عليهم حكمُ الإسلام. وما أشْبَهَ ما قالوا، بما قالوا -:لامتناعِهِمْ من الإسلام؛ فإذا جَرَى عليهم حُكمُه: فقد أُصْغِرُوا بما يَجرِى عليهم منه..

قال الشافعى: وكان بَيِّناً فى الآيةِ (واللّه أعلم): أن الذين فُرِض قتالُهم حتى يُعطُوا الجِزْيةَ -: الذين قامتْ عليهم الحُجَّةُ بالبُلوغِ: فتَرَكوا دِينَ اللّه (عز وجل)، وأقاموا على ما وجَدُوا عليه آباءهم: من أهلِ الكتابِ.وكان بَيِّناً: أنَّ اللّه (عز وجل) أمَر بقتالهم عليها: الذين فيهم القتالُ؛ وهم: الرجالُ البالغُونَ. ثم أبَانَ رسولُ اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) مِثلَ معنى كتابِ اللّه (عز وجل): فأخَذ الجزْيةَ من المُحْتَلِمِينَ، دُون من دُونَهم، ودُونَ النساءِ.. وبسَطَ الكلامَ فيه.

الأحكام الواردة في سورة ( التوبة )

﴿ ٣٣