١٣فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ } تقدم الكلام على مثل هذه الجملة . {لَعنَّاهُمْ } أي طردناهم وأبعدناهم من الرحمة قاله : عطاء والزجاج . أو عذبناهم بالمسح قردة وخنازير كما قال {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ } أي نمسخهم كما مسخناهم قاله : الحسن ، ومقاتل . أو عذبناهم بأخذ الجزية قاله : ابن عباس . وقال قتادة : نقضوا الميثاق بتكذيب الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلهم الأنبياء بغير حق وتضييع الفرائض . {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } قال ابن عباس : جافية جافة . وقيل : غليظة لا تلين . وقيل : منكرة لا تقبل الوعظ ، وكل هذا متقارب . وقسوة القلب غلظه وصلابته حتى لا ينفعل لخير . وقرأ الجمهور من السبعة : قاسية اسم فاعل من قسا يقسو . وقرأ عبد اللّه وحمزة والكسائي : قسية بغير ألف وبتشديد الياء ، وهي فعيل للمبالغة كشاهد وشهيد . وقال قوم : هذه القراءة ليست من معنى القسوة ، وإنما هي كالقسية من الدراهم ، وهي التي خالطها غش وتدليس ، وكذلك القلوب لم يصل الإيمان بل خالطها الكفر والفساد . قال أبو زبيد الطائي : لهم صواهل في صم السلاح كما صاح القسيات في أيدي الصياريف وقال آخر : فما زادوني غير سحق عمامة وخمس ميء فيها قسي وزائف قال الفارسي : هذه اللفظة معربة وليست بأصل في كلام العرب . وقال الزمخشري وقرأ عبد اللّه قسية أي رديئة مغشوشة من قولهم : درهم قسي ، وهو من القسوة ، لأن الذهب والفضة الخالصتين فيهما لين ، والمغشوش فيه يبس وصلابة . والقاسي والقاسح بالحاء إخوان في الدلالة على اليبس والصلابة انتهى . وقال المبرد : سمى الدرهم الزائف قسييًّا لشدته بالغش الذي فيه ، وهو يرجع إلى المعنى الأول ، والقاسي والقاسح بمعنى واحد انتهى . وقول المبرد : مخالف لقول الفارسي ، لأن المعهود جعله عربياً من القسوة ، والفارسي جعله معرباً دخيلاً في كلام العرب وليس من ألفاظها . وقرأ الهيصم بن شراح : قسية بضم القاف وتشديد الياء ، كحنى . وقرىء بكسر القاف اتباعاً . وقال الزمخشري : خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم ، أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست انتهى . وهو على مذهبه الاعتزالي . وأما أهل السنة فيقولون : إن اللّه خلق القسوة في قلوبهم . {يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّواضِعِهِ } أي يغيرون ما شق عليهم من أحكامها ، كآية الرجم بدلوها لرؤسائهم بالتحميم وهو تسويد الوجه بالفحم قال معناه ابن عباس وغيره ، وقالوا : التحريف بالتأويل لا بتغيير الألفاظ ، ولا قدرة لهم على تغييرها ولا يمكن . ألا تراهم وضعوا أيديهم على آية الرجم ؟ وقال مقاتل : تحريفهم الكلم هو تغييرهم صفة الرسول أزالوها وكتبوا مكانها صفة أخرى فغيروا المعنى والألفاظ ، والصحيح أن تحريف الكلم عن مواضعه هو التغيير في اللفظ والمعنى ، ومن اطلع على التوراة علم ذلك حقيقة ، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى . وهذه الجملة وما بعدها جاءت بياناً لقسوة قلوبهم ، ولا قسوة أشد من الافتراء على اللّه تعالى وتغيير وحيه . وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي الكلام بالألف . وقرأ أبو رجاء : الكلم بكسر الكاف وسكون اللام . وقرأ الجمهور : الكلم بفتح الكاف . {وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } وهذا أيضاً من قسوة قلوبهم وسوء فعلهم بأنفسهم ، حيث ذكروا بشيء فنسوه وتركوه ، وهذا الحظ من الميثاق المأخوذ عليهم . وقيل : لما غيروا ما غيّروا من التوراة استمروا على تلاوة ما غيروه ، فنسوا حظاً مما في التوراة قاله مجاهد . وقيل : أنساهم نصيباً من الكتاب بسبب معاصيهم ، وعن ابن مسعود : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية ، وتلا هذه الآية . وقال الشاعر : شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأومأ لي إلى ترك المعاصي وقيل : تركوا نصيبهم مما أمروا به من الإيمان بالرسول وبيان نعته . {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } أي هذه عادتهم وديدنهم معك ، وهم على مكان أسلافهم من خيانة الرسل وقتلهم الأنبياء . فهم لا يزالون يخوفونك وينكثون عهودك ، ويظاهرون عليك أعداءك ، ويهمون بالقتل بك ، وأن يسموك . ويحتمل أن يكون الخائنة مصدراً كالعافية ، ويدل على ذلك قراءة الأعمش على خيانة ، أو اسم فاعل ، والهاء للمبالغة كراوية أي خائن ، أو صفة لمؤنث أي قرية خائنة ، أو فعلة خائنة ، أو نفس خائنة . والظاهر في الاستثناء أنه من الأشخاص في هذه الجملة ، والمستثنون عبد اللّه بن سلام وأصحابه قاله : ابن عباس . و قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون في الأفعال أي : إلا فعلاً قليلاً منهم ، فلا تطلع فيه على خيانة . وقيل : الاستثناء من قوله :{ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } والمراد به المؤمنون ، فإنّ القسوة زالت عن قلوبهم ، وهذا فيه بعد . {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ظاهره الأمر بالمعروف والصفح عنهم جميعهم ، وذلك بعث على حسن التخلق معهم ومكارم الأخلاق . وقال ابن جرير : يجوز أن يعفو عنهم في مغدرة فعلوها ما لم ينصبوا حرباً ، ولم يمتنعوا من أداء جزية . وقيل : الضمير عائد على من آمن منهم ، فلا تؤاخذهم بما سلف منهم ، فيكون عائداً على المستثنين . وقيل : هذا الأمر منسوخ بآية السيف . وقيل : بقوله :{ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّه} وقيل : بقوله :{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } وفسر قوله : يحب المحسنين ، بالعافين عن الناس ، وبالذين أحسنوا عملهم بالإيمان ، وبالمستثنين وهم الذين ما نقضوا العهد والذين آمنوا وبالنبي عليه السلام لأنه المأمور في الآية بالصفح والعفو . |
﴿ ١٣ ﴾