٢٧

واتل عليهم نبأ . . . . .

الغراب طائر معروف ، ويجمع في القلة على أغربة ، وفي الكثرة على غربان ، وغراب : اسم جنس ، وأسماء الأجناس إذا وقعت على مسمياتها من غير أن تكون منقولة من شيء ، فإن وجد فيها ما يمكن اشتقاقه حمل على أنه مشتق إلا أن ذلك قليل جداً ، بل الأكثر أن تكون غير مشتقة ، نحو تراب وحجر وماء ، ويمكن غراب أن يكون مأخوذاً من الاغتراب ، فإن العرب تتشاءم به ، وتزعم أنه دال على الفراق ، وقال حران العود :

وأما الغراب : فالغريب المطوح .

وقال الشنفرى : غراب لاغتراب من النوى

وبالباذ بين من حبيب تعاشره

البحث في الأرض : نبش التراب وإثارته ، ومنه سميت براءة بحوث ، وفي المثل : لا تكن كالباحث عن الشفرة ، السوءة : العورة ، العجز عدم الإطاقة ، وماضيه على فعل بفتح العين ، وهي اللغة الفاشية

وحكى الكسائي فيه : فعل بكسر العين ، الندم : التحسر ، يقال منه : ندم يندم ، الصلب : معروف وهو إصابة صلبه بجذع أو حائط ، كما تقول : عانه أي : أصاب عينه ، وكبده : أصاب كبده ، الخلاف : المخالفة

ويقال : فرس به شكال من خلاف إذا كان في يده ، نفاه : طرده فانتفى ، وقد لا يتعدى نفي قال القطامي : فأصبح جاراكم قتيلاً ونافياً

أي : منفياً ، الوسيلة : الواسلة ما يتقرب منه ، يقال : وسله وتوسل إليه ، واستعيرت الوسيلة لما يتقرب به إلى اللّه تعالى من فعل الطاعات ، وقال لبيد : أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم

ألا كل ذي لب إلى اللّه واسل

وأنشد الطبري : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا

وعاد التصابي بيننا والوسائل

السارق : اسم فاعل من سرق يسرق سرقاً ، والسرق والسرقة الاسم ، كذا قال بعضهم ، وربما قالوا سرقة مالاً ، قال ابن عرفة : السارق عند العرب : من جاء مستتراً إلى حرز ، فأخذ منه ما ليس له ،  { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر } مناسبة هذه الآية لما قبلها : هو أنه تعالى لما ذكرنا تمرد بني إسرائيل وعصاينهم أمر اللّه تعالى فيالنهوض لقتال الجبارين ، ذكر قصة ابني آدم وعصيان قابيل أمر اللّه ، وأنهم اقتفوا في العصيان أول عاص للّه تعالى ، وأنهم انتهوا في خور الطبيعة وهلع النفوس والجبن والفزع إلى غاية ، بحيث قالوا لنبيهم الذي ظهرت على يديه خوارق عظيمة ، وقد أخبرهم أن اللّه كتب لهم الأرض المقدسة { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } انتهى قابيل إلى طرف نقيض منهم من الجسارة والعتو وقوة النفس وعدم المبالاة ، بأن أقدم على أعظم الأمور وأكبر المعاصي بعد الشرك ، وهو قتل النفس التي حرم اللّه قتلها ، بحيث كان أول من سن القتل ، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة ، فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه من حيث المعصية بهما ، وأيضاً فتقدم قوله أوائل الآيات { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } [ المائدة : ١١ ] وبعده { قد جاءكم رسولنا بين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } [ المائدة : ١٥ ] وقوله { نحن أبناء اللّه وأحباؤه } [ المائدة : ١٨ ] ثم قصة محاربة الجبارين ، وتبين أن عدم اتباع بني إسرائيل محمداً - صلى اللّه عليه وسلم { - إنما سببه الحسد ، هذا مع علمهم بصدقة ، وقصة ابني آدم انطوت على مجموع هذه الآيات من بسط اليد ومن الإخبار بالمغيب ، ومن عدم الانتفاع بالقرب ودعواهمع المعصية ، ومن القتل ومن الحسد ومعنى { واتل عليهم } أي : اقرأ واسرد ، والضمير في { عليهم } ظاهره أنه يعود على بني إسرائيل ، إذ هم المحدث عنهم أولاً والمقام عليهم الحجج بسبب همهم ببسط أيديهم إلى الرسول والمؤمنين ، فأعلموا بما هو في غامض كتبهم الأول التي لا تعلق للرسول بها إلا من جهة الوحي لتقوم الحجة بذلك عليهم ، إذ ذلك من دلائل النبوة ، والنبأ : هو الخبر ، وابنا آدم في قول الجمهور عمر وابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهما : هما قابيل وهابيل ، وهما ابناه لصلبه ، وقال الحسن : لم يكونا ولديه لصلبه ، وإنما هما أخوان من بني إسرائيل ، قال : لأن القربان إنما كان مشروعاً في بني إسرائيل ، ولم يكن قبل ووهم الحسن في ذلك ،

وقيل : عليه كيف يجهل الدفن في بني إسرائيل حتى يقتدي فيه بالغراب ، وأيضاً فقد

قال الرسول عنه : إنه أول من سن القتل ، وقد كان القتل في بني إسرائيل ، ويحتمل قوله { بالحق } أن يكون حالاً من الضمير في { واتل } أي : مصحوباً بالحق ، وهو الصدق الذي لا شك في صحته ، أو في موضع الصفة لمصدر محذوف ، أي : تلاوة ملتبسة بالحق ، والعامل في { إذ }{ نبأ } أي : حديثهما وقصتهما في ذلك الوقت ،

وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ ، أي : اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت ، على تقدير حذف المضاف انتهى ، ولا يجوز ما ذكر ، لأن { إذ } لا يضاف إليها إلا الزمان ، و { نبأ } ليس بزمان ، وقد طول المفسرون في سبب تقريب هذا القربان ، وملخصه : أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً أو أنثى ، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن ، وأنثى هذا ذكر ذلك ، ولا يحل للذكر نكاح توءمته ، فولد مع قابيل أخت جميلة اسمها أقليميا ، وولد مع هابيل أخت دون تلك اسمها لبوذا ، فأبى قابيل إلا أن يتزوج توءمة هابيل ، وأن يخالف سنة النكاح إيثاراً لجمالها ، ونازع قابيل هابيل في ذلك ، فقيل أمرهما آدم بتقريب القربان ،

وقيل : تقربا من عند أنفسهما ، إذ كان آدم غائباً ، توجه إلى مكة لزيارة البيت بإذن ربه ، والقربان الذي قرباه هو زرع لقابيل ، وكان صاحب زرع ، وكبش هابيل وكان صاحب غنم { فتقبل من أحدهما } وهو هابيل { ولم يتقبل من الآخر } وهو قابيل ، أي : فتقبل القربان ، وكانت علامة التقبل : أكل النار النازلة من السماء القربان المتقبل وترك غير المتقبل ، وقال مجاهد : كانت النار تأكل المردود ، وترفع المقبول إلى السماء ،

وقال الزمخشري : يقال : قرب صدقة وتقرب بها ، لأن تقرب قرب انتهى ، وليس تقرب بصدقة مطاوع ، قرب صدقة لاتحاد فاعل فعلين ، والمطاوعة يختلف فيها الفاعل ، فيكون { من أحدهما } فعل ، { ومن الآخر } انفعال نحو : كسرته فانكسر ، وفلقته فانفلق ، وليس قربت صدقة ، وتقربت بها ، من هذا الباب ، فهو غلط فاحش ، { قال لأقتلنك } هذا وعيد وتهديد شديد ، وقد أبرز هذا الخبر مؤكداً بالقسم المحذوف أي : لأقتلنك حسداً على تقبل قربانك ، وعلى فوزك باستحقاق الجميلة أختي ،

وقرأ زيد بن علي { لأقتلنك } بالنون الحفيفة ، { قال إنما يتقبل اللّه من المتقين }

قال ابن عطية : قبله كلام محذوف تقديره : لم تقتلني وأنا لم أجن شيئاً ، ولا ذنب لي في قبول اللّه قرباني ، أما إني أتقيه وكتب على لأحب الخلق { إنما يتقبل اللّه من المتقين } وخطب الزمخشري هنا فقال

فإن قلت : كيف كان قوله { إنما يتقبل اللّه من المتقين } جواباً لقوله { لأقتلنك }

قلت : لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل ، قال له : إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى ، لا من قبلي ، فلم تقتلني ؟ وما لك لا تعاقب نفسك ، ولا تحملها على تقوى اللّه التي هي السبب في القبول ، فأجابه بكلام حكيم مختصر ، جامع لمعان ، وفيه دليل على أن اللّه تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق ، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم ، وعن عامر بن عبد اللّه : أنه بكى حين حضرته الوفاة ، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقد كنت وكنت قال : إني أسمع اللّه يقول { إنما يتقبل اللّه من المتقين } انتهى كلامه ، ولم يخل من دسيسة الاعتزال على عادته ، يحتاج الكلام في فهمه إلى هذه التقديرات ، والذي قدرناه أولاً كاف ، وهو أن المعنى : لأقتلنك حسداً على تقبل قربانك ، فعرض له بأن سبب قبول القربان هو التقوى ، وليس متقياً ، وإنما عرض له بذلك ، لأنه لم يرض بسنة النكاح التي قررها اللّه تعالى ، وقصد خلافها ، ونازع ، ثم كانت نتيجة ذلك أن برزت في أكبر الكبائر بعد الشرك ، وهو قتل النفس التي حرمها اللّه ،

قال ابن عطية : وأجمع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ أنها اتقاء الشر ، فمن اتقاه وهو موحد ، فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة ، وقال عدي بن ثابت وغيره : قربان هذه الأمة الصلاة ، وقول من زعم أن قوله { إنما تقبل اللّه من المتقين } ليس من لاكم المقتول ، بل هو من

كلام اللّه تعالى للرسول ، اعتراضاً بين كلام القاتل والمقتول ، والضمير عائد في { قال } على اللّه ليس بظاهر ،

﴿ ٢٧