٣٦إن الذين كفروا . . . . . {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } لما أرشد المؤمنين إلى معاقد الخير ومفاتح السعادة ، وذكر فوزهم في الآخر ، وما آلو إليه من الفلاح شرح حال الكفار وعاقبة كفرهم ، وما أعد لهم من العذاب ، والجملة من { لو } وجوابها في موضع خبر { إن } ومعنى { ما في الأرض } من صنوف الأموال التي يفتدي بها ، و { مثله } معطوف على اسم { إن } ولام كي تتعلق بما تعلق به خبر إن ، وهو لهم ، والمعنى : لو أن ما في الأرض ومثله معه مستقر لهم على سبيل الملك ، ليجعلوه فدية لهم ما تقبل ، وهذا على سبيل التمثيل ولزوم العذاب لهم ، وأنه لا سبيل إلى نجاتهم منه ، وفي الحديث ' يقال للكافر : أرأيت لو كان لكب ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به ، فيقول : نعم ، فيقال له : قد سئلت أيسر من ذلك ' ووحد الضمير في { به } وإن كان قد تقدم شيئان معطوف عليه ومعطوف ، وهو { ما في الأرض } و { مثله معه } إما لفرض تلازمها فأجريا مجرى الواحد ، كما قالوا : رب يوم وليلة مر بي ، وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة ، كأنه قال : ليفتدوا بذلك ، قال الزمخشري : ويجوز أن تكون الواو في { ومثله } بمعنى مع ، فيوحد المرجوع إليه فإن قلت : فبم ينتصب المفعول معه ؟ قلت : بنا تستدعيه لو من الفعل ، لأن لو ثبت أن لهم ما في الأرض انتهى ، وإنما يوحد الضمير ، لأن حكم ما قبل المفعول معه في الخبر والحال ، وعود الضمير متأخراً حكمه متقدماً ، تقول : الماء والخشبة استوى ، كما تقول : الماء استوى والخشبة ، وقد أجاز الأخفش في ذلك أن يعطي حكم المعطوف ، فتقول : الماء مع الخشبة استويا ، ومنع ذلك ابن كيسان ، وقول الزمخشري : تكون الواو في { مثله } بمعنى ما ليس بشيء ، لأنه يصير التقدير : مع مثله معه ، أي : مع مثل ما في الأرض مع ما في الأرض ، إن جعلت الضمير في { معه } عائداً على { مثله } أي : مع مثله مع ذلك المثل ، فيكون المعنى : مع مثلين : فالتعبير عن هذا المعنى بتلك العبارة عي ، إذ الكلام المنتظم أن يكون التركيب إذا أريد ذلك المعنى مع مثليه ، وقول الزمخشري : فإن قلت إلى آخر السؤال ، وهذا السؤال لا يرد لأنا قد بينا فساد أن تكون الواو واو مع ، وعلى تقدير وروده ، فهذا بناء منه على أن الواو إذا جاءت بعد لو كانت في موضع رفع على الفاعلية ، فيكون التقدير على هذا : لو ثبت كينونة ما في الأرض مع مثله لهم ليفتدوا به ، فيكون الضمير عائداً على { ما } فقط ، وهذا الذي ذكره هو تفريع منه على مذهب المبرد ، في أن { أن } بعد { لو } في موضع رفع على الفاعلية ، وهو مذهب مرجوح ، ومذهب سيبويه : أن { أن } بعد { لو } في موضع رفع على الابتداء ، والزمخشري لا يظهر من كلامه في هذا الكتاب وفي تصانيفه أنه وقف على مذهب سيبويه في هذه المسالة ، وعلى التفريع على مذهب المبرد ، لا يصح أن يكون { ومثله } مفعولاً معه ، ويكون العامل فيه ما ذكر من الفعل ، وهو ثبت بوساطة الواو ، لما تقدم من وجود لفظ { معه } وعلى تقدير سقوطها يصح ، لأن ثبت ليست رافعة لما العائد عليها الضمير ، وإنما هي رافعة مصدراً منسبكاً من أن وما بعدها ، وهو كون ، إذ التقدير : لو ثبت كون ما في الأرض جميعاً لهم ومثله معه يفتدوا به ، والضمير عائد على { ما } دون الكون ، فالرافع للفاعل غير الناصب للمفعول معه ، إذ لو كان إياه للزم من ذلك وجود الثبوت مصاحباً للمثل ، والمعنى : على كينونة ما في الأرض مصاحباً للمثل ، لا على ثبوت ذلك مصاحباً للمثل ، وهذا فيه غموض ، وبيانه أنك إذا قلت : يعجبني قيام زيد وعمر ، أو جعلت عمراً مفعولاً معه ، والعامل فيه ، يعجبني ، لزم من ذلك أن عمراً لم يقم ، وأنه أعجبك القيام وعمرو ، وإن جعلت العامل فيه القيام كان عمرو قائماً ، وكان الإعجاب قد تعلق بالقيام مصاحباً لقيام عمرو ، فإن قلت : هلا كان { ومثله معه } مفعولاً معه ، والعامل فيه هو العالم في { لهم } إذ المعنى عليه قلت : لا يصح ذلك ، لما ذكرناه من وجود معه في الجملة ، وعلى تقدير سقوطها لا يصح ، لأنهم نصوا على أن قولك : هذا لك وأباك ممنوع في الاختيار ، وقال سيبويه : وأما ، هذا لك وأباك لم يذكر فعلاً ولا حرفاً فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل ، فأصح سيبويه بأن اسم الإشارة وحرف الجر المتضمن معنى الاستقرار لا يعملان في المفعول معه ، ولو كان أحدهما يجوز أن ينتصب المفعول معه لخبر بين أن ينسب العمل لاسم الإشارة أو لحرف الجر ، وقد أجاز بعض النحويين أن يعمل في المفعول معه الظرف وحرف الجر ، فعلى هذا المذهب يجوز لو كانت الجملة خالية من قوله { معه } أن يكون { ومثله } مفعولاً معه ، على أن العامل فيه هو العامل في { لهم } وقرأ الجمهور { ما تقبل } مبنياً للمفعول ، وقرأ يزيد بن قطيب { ما تقبل } مبنياً للفاعل ، أي : ما تقبل اللّه منهم ، وفي الكلام جملة محذوفة التقدير : وبذلوه وافتدوا به ما تقبل منهم ، إذ لا يترتب انتفاء التقبل على كينونة ما في الأرض ومثله معه ، إنما يترتب على بذل ذلك ، أو الافتداء به ، و { ولهم عذاب أليم } هذا الوعيد هو لمن وافى على الكفر ، وتبينه آية آل عمران ، وماتوا وهم كفار ، فلن يقبل الآية ، وهذه الجملة يجوز أن تكون عطفاً على خبر { إن الذين كفروا } ويجوز أن تكون عطفاً على { إن الذين كفروا } وجوزوا أن تكون في موضع الحال ، وليس بقوي ، |
﴿ ٣٦ ﴾