٣٨والسارق والسارقة فاقطعوا . . . . . {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } قال السائب : نزلت في طعمه بن أبيرق ، ومضت قصته في النساء ، ومناسبتها لما قبلها ، أنه لما ذكر جزاء المحاربين بالعقوبات التي فيها قطع الأيدي والأرجل من خلاف ، ثم أمر بالتقوى لئلا يقع الإنسان في شيء من الحرابة ، ثم ذكر حال الكفار ، ذكر حكم السرقة ، لأن فيها قطع الأيدي بالقرآن والأرجل بالسنة ، على ما يأتي ذكره ، وهو أيضاً حرابة من حيث المعنى ، لأن فيه سعياً بالفساد ، إلا أن تلك تكون على سبيل الشوكة والظهور ، والسرقة على سبيل الاختفاء والتستر ، والظاهر وجوب القطع بمسمى السرقة ، وهو ظاهر النص ' يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الجمل فتقطع يده اليمنى ، سرق شيئاً ما قليلاً أو كثيراً قطعت يده ' ، وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة ومن التابعين ، منهم الحسن ، وهو مذهب الخوارج وداود ، وقال داود ومن وافقه : لا يقطع في سرقة حبة اليد عشرة دراهم فصاعداً ، أو قيمتها من غيرها ، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمرو أيمن الحبشي وأبي جعفر وعطاء وإبراهيم ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد ، وقيل : ربع دينار فصاعداً ، وروي عن عمر وعثمان وعلي وعائشة وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول الأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور ، وقيل : خمسة دراهم ، وهو قول أنس وعروة وسليمان بن يسار والزهري ، وقيل : أربعة دراهم ، وهو مروي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ، وقيل : ثلاثة دراهم ، وهو قول ابن عمر ، وبه قال مالك وإسحاق وأحمد إلا إن كان ذهباً فلا تقطع إلا في ربع دينار ، وقيل : درهم فما فوقه ، وبه قال عثمان البتي ، وقطع عبد اللّه بن الزبير في درهم ، وللسرقة التي تقطع فيها اليد شروط ، ذكرت في الفقه ، وقرأ الجمهور { والسارق والسارقة } بالرفع ، وقرأ عبد اللّه { والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم } ، وقال الخفاف : وجدت في مصحف أبي { والسرق والسرقة } بضم السين المشددة فيهما ، كذا ضبط أبو عمرو ، قال ابن عطية : ويشبه أن يكون هذا تصحيفاً من الضابط ، لأن قراءة الجماعة إذا كتبت { السارق } بغير ألف ، وافقت في الخط هذه ، والرفع في { والسارق والسارقة } على الابتداء ، والخبر محذوف ، والتقدير : فيما يتلى عليكم ، أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة ، أي : حكمهما ولا يجوز سيبويه أن يكون الخبر قوله { فاقطعوا } لأن الفاء لا تدخل إلا في خبر مبتدأ موصول بظرف أو مجرور ، أي جملة صالحة لأداة الشرط ، والموصول هنا أل ، وصلتها اسم فاعل أو اسم مفعول وما كان هكذا لا تدخل الفاء في خبره عند سيبويه ، وقد أجاز ذلك جماعة من البصريين ، أعني : أن يكون { والسارق والسارقة } مبتدأ ، والخبر جملة الأمر أجروا أل وصلتها مجرى الموصول المذكور ، لأن المعنى فيه على العموم ، إذ معناه : الذي سرق والتي سرقت ، ولما كان مذهب سيبويه أنه لا يجوز ذلك تأويله على إضمار الخبر ، فيصير تأوله فيما فرض عليكم حكم السارق والسارقة ، جملة ظاهرها أن تكون مستقلة ، ولكن المقصود هو في قوله { فاقطعوا } فجيء بالفاء رابطة للجملة الثانية ، فالأولى موضحة للحكم المبهم في الجملة الأولى [ وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي عبلة { والسارق والسارقة } بالنصب على الاشتغال ، قال سيبويه : الوجه في كلام العرب النصب ، كما تقول : زيداً فاضربه ، ولكن أبت العامة إلا الرفع ، يعني عامة القراء وجلهم ، ولما كان معظم القراء على الرفع تأويله سيبويه على وجه يصح ، وهو أنه جعله مبتدأ ، والخبر محذوف ، لأنه لو جعله مبتدأ والخبر { فاقطعوا } لكان تخريجاً على غير الوجه في كلام العرب ، ولكان قد تدخل الفاء في خبر أل ، وهو لا يجوز عنده ، وقد تجاسر أبو عبد اللّه محمد بن عمر ، المدعو بالفخر الرازي ابن خطيب الري على سيبويه ، وقال عنه ما لم يقله ، فقال : الذي ذهب إليه سيبويه ليس بشيء ، ويدل على فساده وجوه ، الأول : أنه طعن في القراءة المنقولة بالمتواتر عن الرسول ، وعن أعلام الأمة ، وذلك باطل قطعاً ، قلت : هذا تقول على سيبويه ، وقلة فهم عنه ، ولم يطعن سيبويه على قراءة الرفع ، بل وجهها التوجيه المذكور ، وافهم أن المسألة ليست من باب الاشتغال المبني على جواز الابتداء فيه ، وكون جملة الأمر خبره ، أو لم ينصب الاسم ، إذ لو كانت منه لكان النصب أوجه ، كما كان في ، زيداً اضربه ، على ما تقرر في كلام العرب ، فكون جمهور القراء عدلوا إلى الرفع ، دليل على أنهم لم يجعلوا الرفع فيه على الابتداء المخبر عنه بفعل الأمر ، لأنه لا يجوز ذلك لأجل الفاء ، فقوله : أبت العامة إلا الرفع ، تقوية لتخريجه ، وتوهين للنصب على الاشتغال مع وجود الفاء ، لأن النصب على الاشتغال المرجح على الابتداء في مثل هذا التركيب لا يجوز إلا إذا جاز أن يكون مبتدأ مخبراً عنه بالفعل الذي يفسر العامل في الاشتغال ، وهنا لا يجوز ذلك لأجل الفاء الداخلة على الخبر ، فكان ينبغي أن لا يجوز النصب ، فمعنى كلام سيبويه : يقوي الرفع على ما ذكر ، فكيف يكون طاعنا في الرفع ، وقد قال سيبويه : وقد يحسن ويستقيم ، عبد اللّه فاضربه ، إذا كان مبنياً على مبتدأ مضمر ، أو مظهر ، فأما في المظهر فقولك : هذا زيد فاضربه ، وإن شئت لم تظهر هذا ، ويعمل عمله إذا كان مظهراً ، وذلك قولك : الهلال واللّه فانظر إليه ، فكأنك قلت : هذا الهلال ، ثم جئت بالأمر ، ومن ذلك قول الشاعر : وقائلة خولان فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خلو كما هيا هكذا سمع من العرب تنشده انتهى ، فإذا كان سيبويه يقول : وقد يحسن ويستقيم ، عبد اللّه فاضربه ، فكيف يكون طاعنا في الرفع ، وهو يقول : إنه يحسن ويستقيم ، لكنه جوزه على أن يكون المرفوع مبتدأ محذوف الخبر ، كما تأوله في { السارق والسارقة } أو خبر مبتدأ محذوف ، كقوله : الهلال واللّه فانظر إليه ، وقال الفخر الرازي ، فإن قلت : يعني سيبويه ، لا أقول إن القراءة بالرفع غير جائزة ، ولكني أقول : القراءة بالنصب أولى ، فنقول له : هذا أيضاً رديء ، لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها عيسى بن عمر على قراءة الرسول ، وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر مردود قلت : هذا السؤال لم يقله سيبويه ، ولا هو ممن يقوله ، كيف يقوله ، وهو قد رجح قراءة الرفع على ما أوضحناه ، وأيضاً فقوله : لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر ، على قراءة الرسول ، وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين تشنيع وإيهام أن عيسى بن عمر قرأها من قبل نفسه ، وليس كذلك ، بل قراءته مستندة إلى الصحابة ، وإلى الرسول ، فقراءته قراءة الرسول أيضاً ، وقوله : وجميع الأمة ، لا يصح هذا الإطلاق ، لأن عيسى بن عمر وإبراهيم بن أبي عبلة ومن وافقهما ، وأشياخهم الذين أخذوا عنهم هذه القراءة هم من الأمة ، وقال سيبويه : وقد قرأ أناس { والسارق والسارقة }{ والزانية والزاني } النور [ ٢ ] فأخبر أنها قراءة ناس ، وقوله : وجميع الأمة لا يصح هذا العموم ، قال الفخر الرازي : الثاني من الوجوه التي تدل على فساد قول سيبويه ، أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } النساء [ ١٨٦ ] بالنصب ، ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول قلت : لم يدع سيبويه أن قراءة النصب أولى ، فيلزمه ما ذكر ، وإنما قال سيبويه : وقد قرأ ناس { والسارق والسارقة }{ والزانية والزاني } النور [ ٢ ] وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة ، ولكن أبت العامة إلا القراءة بالرفع ، ويعني سيبويه بقوله : من القوة لو عري من الفاء المقدر دخولها على خبر الاسم المرفوع على الابتداء ، وجملة الأمر خبره ، ولكن أبت العامة أي : جمهور القراء إلا الرفع ، لعلة دخول الفاء ، إذ لا يصح أن تكون جملة الأمر خبراً لهذا المبتدأ ، فلما دخلت الفاء رجح الجمهور الرفع ، ولذلك لما ذكر سيبويه ، اختيار النصب في الأمر والنهي لم يمثله بالفاء ، بل عارياً مثلاً ، قال سيبويه : وذلك قولك : زيداً اضربه ، وعمراً امرر به ، وخالداً اضرب أباه ، وزيداً اشتر له ثوباً ، ثم قال : وقد يكون في الأمر والنهي أن يبني الفعل على الاسم ، وذلك قوله : عبد اللّه فاضربه ، ابتدأت عبد اللّه ، فرفعت بالابتداء ، ونبهت المخاطب له ليعرفه باسمه ، ثم بينت الفعل عليه ، كما فعلت ذلك في الخبر ، فإذا قلت : زيداً فاضربه ، لم يستقم ، لم تحمله على الابتداء ، ألا ترى أنك لو قلت : زيد فمنطلق ، لم يستقم ، فهذا دليل على أنه لا يجوز أن يكون مبتدأ ، يعني مخبراً عنه بفعل الأمر المقرون بالفاء ، الجائز دخولها على الخبر ، ثم قال سيبويه : فإن شئت نصبته على شيء هذا يفسره ، لما منع سيبويه الرفع فيه على الابتداء ، وجملة الأمر خبره لأجل الفاء ، أجاز نصبه على الاشتغال ، لا على أن الفاء هي الداخلة في خبر المبتدأ ، وتلخيص ما يفهم من كلام سيبويه : أن الجملة الراقعة أمراً بغير فاء بعد اسم يختار فيه النصب ، ويجوز فيه الابتداء ، وجملة الأمر خبره ، فإن دخلت عليه الفاء ، فإما أن تقدرها الفاء الداخلة على الخبر ، أو عاطفة ، فإن قدرتها الداخلة على الخبر فلا يجوز أن يكون ذلك الاسم مبتدأ ، وجملة الأمر خبره ، إلا إذا كان المبتدأ أجرى مجرى الاسم الشرط لشبهه به ، وله شروط ذكرت في النحو ، وإن كانت عاطفة كان ذلك الاسم مرفوعاً ، إما مبتدأ كما تأول سيبويه ، في قوله { والسارق والسارقة } وإما خبر مبتدأ محذوف ، كما قيل : القمر واللّه فانظر إليه ، والنصب على هذا المعنى دون الرفع ، لأنك إذا نصبت احتجت إلى جملة فعلية تعطف عليها بالفاء ، وإلى حذف الفعل الناصب ، وإلى تحريف الفاء إلى غير محلها ، فإذا قلت : زيداً فاضربه ، فالتقدير : تنبه فاضرب زيداً اضربه ، حذفت تنبه ، وحذفت اضرب ، وأخرت الفاء إلى دخولها على المفسر ، وكان الرفع أولى ، لأنه ليس فيه إلا حذف مبتدأ ، أو حذف خبر ، فالمحذوف أحد جزأي الإسناد فقط ، والفاء واقعة في مواقعها ، ودل على ذلك المحذوف سياق الكلام ، والمعنى : قال سيبويه : وأما قوله عز وجل :{ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما } النور [ ٢ ]{ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } فإن هذا لم يبين على الفعل ، ولكنه جاء على مثل قوله تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون } محمد [ ١٥ ] ثم قال بعد { فيها أنهار } محمد [ ١٥ ] فيها كذا وكذا ، فإنما وضع مثل للحديث الذي بعده ، وذكر بعد أخبار وأحاديث ، كأنه قال : ومن القصص مثل الجنة ، أو مما نقص عليكم مثل الجنة ، فهو محمول على هذا الإضمار ، أو نحوه واللّه أعلم ] وكذلك { الزانية والزاني } لما قال تعالى { سورة أنزلناها وفرضناها } قال في الفرائض { الزانية والزاني } أو الزانية والزاني في الفرائض ، ثم قال { فاجلدوا } فجاء بالفعل بعد أن مضى فيها الرفع ، كما قال : وقائلة خولان فانكح فتاتهم فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه الضمير ، وكذلك { السارق والسارقة } كأنه قال : ومما فرض عليكم السارق والسارقة ، أو السارق والسارقة ، فيما فرض عليكم ، وإنما جاءت هذه الأسماء بعد قصص وأحاديث انتهى ، فسيبويه إنما اختار هذا التخريح ، لأنه أقل كلفة من النصب ، مع وجود الفاء ، وليست الفاء الداخلة في خبر المبتدأ ، لأنه سيبويه لا يجيز ذلك في أل الموصولة ، فالإتيان عنده من باب ، زيد فاضربه ، فكما أن المختار في هذا الرفع ، فكذلك في الآيتين ، وقول الرازي : لوجب أن يكون في القراء من قرأ { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } النساء [ ١٦ ] بالنصب إلى آخر كلامه ، لم يقل سيبويه : إن النصب في مثل هذا التركيب أولى ، فيلزم أن يكون في القراء من ينصب ، { واللذان يأتيانها } بل حل سيبويه هذا الآية محل قوله { والسارق والسارقة } لأنه تقدم قبل ذلك ما يدل على المحذوف ، وهو قوله { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } النساء [ ١٥ ] فخرج سيبويه الآية على الإضمار ، وقال سيبويه : وقد يجري هذا في زيد وعمرو على هذا الحد إذا كنت تخبر بأشياء ، أو توصي ، ثم تقول : زيد أي زيد فيمن أوصى ، فأحسن إليه وأكرمه ، ويجوز في { واللذان يأتيانها منكم } النساء [ ١٦ ] أن يرتفع على الابتداء ، والجملة التي فيها الفاء خبر ، لأنه موصول مستوف شروط الموصول الذي يجوز دخول الفاء في خبره ، لشبهه باسم الشرط ، بخلاف قوله { السارق والسارقة } فإنه لا يجوز عند سيبويه دخول الفاء في خبره ، لأنه لا يجري مجرى اسم الشرط ، فلا يشبه به في دخول الفاء ، قال الفخر الرازي : الثالث : يعني من وجوه فساد قول سيبويه أنا إنما قلنا :{ السارق والسارقة } مبتدأ ، وخبره هو الذي يضمره ، وهو قولنا فيما يتلى عليكم ، وفي شيء تتعلق به الفاء في قوله { فاقطعوا أيديهما } قلت : تقدم لنا حكمة المجيء بالفاء ، وما ربطت ، وقد قدره سيبويه : ومما فرض عليكم السارق والسارقة ، والمعنى : حكم السارق والسارقة ، لأنها آية جاءت بعد ذكر جزاء المحاربين وأحكامهم ، فناسب تقدير سيبويه ، وجيء بالفاء رابطة الجملة الثانية بالأولى ، والثانية جاءت موضحة للحكم المبهم فيما قبل ذلك ، قال الفخر الرازي : فإن قال يعني سيبويه : الفاء تتعلق بالفعل الذي دل عليه ، قوله { والسارق والسارقة } يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يده فنقول : إذا احتجت في آخر الأمر أن تقول { السارق والسارقة } تقديره : من سرق فاذكر هذا أولاً ، حتى لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكرته ، قلت : هذا لا يقوله سيبويه ، وقد بينا حكم الفاء وفائدتها ، فقال الفخر الرازي : الرابع : يعني من وجوه فساد قوله سيبويه ، إذا اخترنا القراءة بالنصب لم تدل على أن السرقة علة الوجوب القطع ، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى ، ثم إن هذا المعنى متأكد بقوله { جزاء بما كسبا } المائدة [ ٣٨ ] فثبت أن القراءة بالرفع أولى ، قلت : هذا عجيب من هذا الرجل ، يزعم أن النصب لا يشعر بالعلة الموجبة للقطع ، ويفيدها الرفع ، وهل هذا إلا من التعليل بالوصف المترتب عليه الحكم ، فلا فرق في ذلك بين الرفع والنصب ، لو قلت : السارق ليقطع ، أو اقطع السارق لم يكن بينهما فرق من حيث التعليل ، وكذلك الزاني ليجلد ، أو اجلد الزاني ، ثم قوله : إن هذا المعنى متأكد بقوله { جزاء بما كسبا } النصب أيضاً يحسن أن يؤكد بمثل هذا ، لو قلت : اقطع اللص جزاء بما كسب صح ، وقال الفخر الرازي : الخامس : يعني من وجوه فساد قول سيبويه ، أن سيبويه قال : وهم يقدمون الأهم فالأهم ، والذي هم ببيانه أعني ، فالقراءة بالرفع تقتضي ذكر كونه سارقاً على ذكر وجوب القطع ، وهذا يقتضي أن يكون أكثر العناية مصروفاً إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من حيث إنه سارق ، وأما القراءة بالنصب ، فإنها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقاً ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فإن المقصود في هذه الآية بيان تقبيح السرقة ، والمبالغة في الزجر عنها ، فثبت أن القراءة بالفرع هي المتعينة قطعاً قلت : الذي ذكر فيه سيبويه أنهم كانوا يقدمون الذي بيانه أهم لهم ، وهم ببيانه أعني هو ما اختلفت فيه نسبة الإسناد كالفاعل والمفعول ، قال سيبويه : فإن قدمت المفعول واخرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأول ، يعني : في ضرب عبد اللّه زيداً ، قال : وذلك ضرب زيداً عبد اللّه ، لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدماً ، ولم ترد أن تشغل الفعل بأول منه ، وإن كان مؤخراً في اللفظ ، فمن كان حد اللفظ أن يكون فيه مقدماً ، وهو عربي جيد كثير ، كأنهم يقدمون الذي بيانه لهم أهم ، وهم ببيانه أعني ، وإن كان جميعاً يهمانهم ويعنيانهم انتهى ، والرازي حرف كلام سيبويه ، وأخذه حيث لا يتصور اختلاف نسبه ، وهو المبتدأ والخبر ، فإنه ليس في إلا نسبة واحدة ، بخلاف الفاعل والمفعول ، لأن المخاطب قد يكون له غرض في ذكر من صدر منه الضرب ، فيقدم الفاعل ، أو في ذكر من حل به الضرب فيقدم المفعول ، لأنه نسبة الضرب مختلفة بالنظر إليهما ، وأما الآية فهي من باب ما النسبة فيه لا تختلف ، إنما هي الحكم على السارق بقطع يده ، وما ذكره الرازي لا يتفرع على كلام سيبويه بوجه ، والعجب من هذا الرجل ، وتجاسره على العلوم حتى صنف في النحو كتاباً سماه المحرر ، وسلك فيه طريقة غريبة بعيدة من مصطلح أهل النحو ، ومن مقاصدهم ، وهو كتاب لطيف محتو على بعض أبواب العربية ، وقد سمعت شيخنا أبا جعفر بن الزبير يذكر هذا التصنيف ، ويقول : إنه ليس جارياً على مصطلح القوم ، وأن ما سلكه في ذلك من التخطيط في العلوم ، ومن غلب لعيه فن ظهر فيما يتكلم به من غير ذلك الفن ، أو قريباً منه من هذا المعنى ، ولما وقفت على هذا الكتاب بديار مصر رأيت ما كان الأستاذ أبو جعفر يذم من هذا الكتاب ، ويستنزل عقل فخر الدين في كونه صنف في علم وليس من أهله ، وكان أبو جعفر يقول : لكل علم حد ينتهي إليه ، فإذا رأيت متكلما في فن ما ، ومزجه بغيره ، فاعلم أن ذلك إما أن يكون من تخليطه وتخبيط ذهنه ، وإما أن يكون من قلة محصوله ، وقصوره في ذلك العلم ، فتجده يستريح إلى غيره مما يعرفه ، وقال الزمخشري بعد أن ذكر مذهب سيبويه في إعراب { السارق والسارقة } ما نصه : ووجه آخر ، وهو أن يرتفعا بالابتداء والخبر { فاقطعوا أيديهما } ودخول الفاء لتضمنها عيسى بن عمر بالنصب ، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر ، لأن زيداً فاضربه أحسن من زيد فاضربه أحسن من زيد فاضربه انتهى ، وهذا الوجه الذي أجازه وإن كان ذهب إليه بعضهم لا يجوز عند سيبويه ، لأن الموصول لم يوصل بجملة تصلح لأداة الشرط ولا بما قام مقامها من ظرف أو مجرور ، بل الموصول هنا أل ، وصلة أل لا تصلح لأداة الشرط ، وقد امتزج الموصول بصلته ، حتى صار الإعراب في الصلة ، بخلاف الظرف والمجرور ، فإن العامل فيها جملة لا تصلح لأداة الشرط ، وأما قوله في قراءة عيسى : إن سيبويه فضلها على قراءة العامة فليس بصحيح ، بل الذي ذكر سيبويه في كتابه : أنهما تركيبان أحدهما : زيداً اضربه ، والثاني : زيد فاضربه ، فالتركيب الأول اختار فيه النصب ، ثم جوزوا الرفع بالابتداء ، والتركيب الثاني منع أن يرتفع بالابتداء ، وتكون الجملة الأمرية خبراً له لأجل الفاء ، وأجاز نصبه على الاشتغال ، أو على الإغراء ، وذكر أنه يستقيم رفعه على أن يكون جملتان ، ويكون زيد خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا زيد فاضربه ، ثم ذكر الآية ، فخرجها على حذف الخبر ، ودل كلامه أن هذا التركيب هو لا يكون إلا على جملتين ، الأولى ابتدائية ، ثم ذكر قراءة ناس بالنصب ، ولم يرجحها على قراءة العامة ، إنما قال : وهي في العربية على ما ذكرت لك من القوة ، أي : نصبها على الاشتغال و الإغراء ، وهو قوي لا ضعيف ، وقد منع سيبويه رفعه على الابتداء ، والجملة الأمرية خبر لأجل الفاء ، وقد ذكرنا الترجيح بين رفعه على أنه مبتدأ حذف خبره ، أو خبر حذف مبتدؤه ، وبين نصبه على الاشتغال ، بأن الرفع يلزم فيه حذف خبر واحد ، والنصب يلزم فيه حذف جملة وإضمار أخرى ، وزحلقة الفاء عن موضعها ، وظاهر قوله { والسارق } أنه لا يشترط حرز للمسروق ، وبه قال داود والخوارج ، وذهب الجمهور إلى أن شرط القطع إخراجه من الحرز ، ولو جمع الثياب في البيت ولم يخرجها لم يقطع ، وقال الحسن : يقطع ، والظاهر اندراج كل من يسمى سارقاً في عموم { والسارق والسارقة } ولكن الإجماع منعقد على أن الأب إذا سرق من ماله ابنه لا يقطع الابن ، وقال عبد اللّه بن الحسن : إن كان يدخل عليهما فلا قطع ، وإن كانا ينهيانه على الدخول قطع ، ولا يقطع ذوو المحارم عند أبي حنيفة ، ولا الأجداد من جهة الأدب والأم عند الجمهور وعند أشهب ، وقال أبو ثور : يقطع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد ، إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع ، وقال أبو حنيفة والشافعي : لا تقطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها ، ولا هو إذا سرق من مال زوجته ، وقال مالك : يقطعان ، والظاهر أن من أقر مرة بسرقة قطع ، وبه قال أبو حنيفة وزفر ومالك والشافعي والثوري ، وقال ابن شبرمة وأبو يوسف وابن أبي ليلى : لا يقطع حتى يقر مرتين ، وقال أبو حنيفة : لا يقطع سارق المصحف ، وقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وابن القاسم : يقطع إذا كانت قيمته نصاباً ، والظاهر قطع الطرار نصاباً ، وبه قال مالك الأوزاعي وأبو ثور ويعقوب ، وهو قول الحسن وذهب أبو حنيفة ومحمد وإسحاق إلى أنه إن كانت الدراهم مصرورة في كمه لم يقطع ، أو في داخلة قطع ، واختلف في النباش ، إذا أخذ الكفن فقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي ومحمد : لا يقطع ، وهو قول ابن عباس ومكحولاً : وقال الزهري : أجمع أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في زمن كان مروان أميراً على المدينة ، أن النباش يعزر ولا يقطع ، وكان الصحابة متوافرين يومئذ ، وقال أبو الدرداء وابن أبي ليلى وربيعة ومالك والشافعي وأبو يوسف : يقطع ، وهو مروي عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز والزهري ومسروق والحسن والنخعي وعطاء ، والظاهر أنه إذا كرر السرقة في العين بعد القطع فيها لم يقطع ، وبه قال الجمهور ، وقال أبو حنيفة : لا يقطع وأنه إذا سرق نصاباً من سارق لا يقطع ، وبه قال الشافعي ، وقال مالك : يقطع ، والمخاطب بقوله { فاقطعوا } الرسول أو ولاة الأمر ، كالسلطان ، ومن أذن له في إقامة الحدود ، أو القضاء والحكام ، أو المؤمنون ليكونوا متظافرين على إقامة الحدود أقوال أربعة ، وفصل بعض العلماء ، فقال : إن كان في البلد إمام أو نائب له ، فالخطاب متوجه إليه ، فإن لم يكن وفيها حاكم ، فالخطاب متوجه إليه ، فإن لم يكن فإلى عامة المؤمنون ، وهو من فروض الكفاية ، إذ ذاك إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين ، والظاهر من قوله { فاقطعوا أيديهما } أنه يقطع من السارق الثنتان ، لكن الإجماع على خلاف هذا الظاهر ، وإنما يقطع من السارق يمناه ، ومن السارقة يمناها ، قال الزمخشري { أيديهما } يديهما ونحوه { فقد صغت قلوبكما } التحريم [ ٤ ] اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف ، وأريد باليدين اليمينان بدليل قراءة عبد اللّه { والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم } انتهى ، وسوى بين { أيديهما } و { قلوبكما } وليسا بشيئين ، لأن باب { صغت قلوبكما } يطرد فيه وضع الجمع موضع التثنية ، وهو ما كان اثنين من شيئين ، كالقلب والأنف ، والوجه والظهر ، وأما إن كان شيء منهما اثنان كاليدين والأذنين والفخذين ، فإن وضع الجمع موضع التثنية لا يطرد ، وإنما يحفظ ولا يقاس عليه ، لأن الذهن إنما يتبادر إذا أطلق الجمع لما يدل عليه لفظه ، فلو قيل : قطعت آذان الزيدين ، فظاهره قطع أربعة الآذان ، وهو استعمال اللفظ في مدلوله ، و قال ابن عطية : جمع الأيدي من حيث كان لكل سارق يمين واحدة ، وهي المعرضة للقطع في السرقة ، وللسراق أيد ، وللسارقات أيد ، كأنه قال : اقطعوا أيمان النوعين ، فالتثنية للضمير إنما هي النوعين ، وظاهر قوله { أيديهما } أنه لا يقطع الرجل ، فإذا سرق قطعت يده اليمنى ، ثم إن سرق قطعت يده اليسرى ، ثم إن سرق عزر وحبس ، وهو مذهب مالك والجمهور ، وبه قال أبو حنيفة والثوري ، وقال علي والزهري وحماد بن أبي سلمة وأحمد : تقطع يديه اليمنى ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى ، ثم إن سرق عزر وحبس ، وروى عطاء : لا تقطع في السرقة إلا اليد اليمنى فقط ، ثم إن سرق عزر وحبس ، وقال الشافعي : إذا سرق أولاً قطعت يده اليمنى ، ثم في الثانية رجله اليسرى ، ثم في الثالثة يده اليسرى ، ثم في الرابعة وجله اليمنى ، وروي هذا عن عمر ، قيل : ثم رجع إلى قوله علي ، وظاهر قطع اليد أنه يكون من المنكب من المفصل ، وروي عن علي : أنه في اليد من الأصابع ، وفي الرجل من نصف القدم ، وهو معقد الشراك ، وروي مثله عن عطاء وأبي جعفر ، وقال أبو صالح السمان : رأيت الذي قطعه علي مقطوعاً من أطراف الأصابع ، فقيل له : من قطعك ؟ قال : خير الناس ، والظاهر أن المترتب على السرقة هو قطع اليد فقط ، فإن كان المال قائماً بعينه أخذه صاحبه ، وإن كان السارق استهلكه فلا ضمان عليه ، وبه قال مكحول وعطاء والشعبي وابن سيرين والنخعي في قول أبي حنيفة وأصحابه ، وقال الحسن والزهري والنخعي في قو حماد وعثمان البتي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق : يضمن ويغرم ، وقال مالك : إن كان موسراً ضمن ، أو معسراً فلا شيء عليه ، { جزاء بما كسب نكالاً من اللّه } قال الكسائي : انتصب { جزاء } على الحال ، وقال قطرب : على المصدر ، أي : جازاهم جزاء ، وقال الجمهور : هو على المفعول من أجله ، و { بما } متعلق ب { جزاء } و { ما } موصولة ، أي : بالذي كسباه ، ويحتمل أن تكون مصدرية أي : جزاء يكسبها ، وانتصاب نكالاً على المصدر ، أو على أنه مفعول من أجله ، والعذاب النكال ، والنكل القيد ، تقدم الكلام فيه ، في قوله { فجعلناها نكالا } وقال الزمخشري : جزاء ونكالاً مفعول لما انتهى ، وتبع في ذلك الزجاج ، قال الزجاج : هو المفعول من أجله ، يعني : جزاء ، قال : وكذلك { نكالا من اللّه } انتهى ، وهذا ليس بجيد إلا إذا كان الجزاء هو النكال ، فيكون ذلك على طريق البدل ، وأما إذا كانا متباينين ، فلا يجوز أن يكونا مفعولين لهما إلا بواسطة حرف العطف ، { واللّه عزيز حكيم } قيل : المعنى { عزيز } في شرع الردع { حكيم } في إيجاب القطع ، وقيل { عزيز } في انتقامه من السارق ، وغيره من أهل المعصية { حكيم } في فرائضه وحدوده ، روي : أن بعض الأعراب سمع قرائاً يقرأ { والسارق والسارقة } إلى آخرها ، وختمها بقوله { واللّه غفور رحيم } فقال : ما هذا كلام فصيح ، فقيل له : ليس التلاوة كذلك ، وإنما هي { واللّه عزيز حكيم } فقال : بخ بخ عز ، فحكم ، فقطع . {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّه يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ } |
﴿ ٣٨ ﴾