٤١

يا أيها الرسول . . . . .

السَّحْت والسحُت بسكون الحاء وضمها الحرام ، سمي بذلك لأنه يسحت البركة أي يذهبها . يقال : سحته اللّه أي أهلكه ،

ويقال : أسحته ، وقرىء بهما في قوله : { فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } أي يستأصلكم يهلككم ، ومنه قول الفرزدق : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع

من المال إلا مسحتاً أو مجلف

ومصدر الثلاثي سحت بفتحتين ، وسحت بإسكان الحاء . وقال الفراء : أصل السحت كلب الجوع

ويقال : فلان مسحوت المعدة إذا كان لا يلقى أبداً إلا خائفاً ، وهو راجع لمعنى الهلاك .

الحبر : بفتح الحاء وكسرها العالم ، وجمعه الأحبار . وكان أبو عبيد ينكر ذلك ويقول : هو بفتح الحاء . وقال الفراء : هو بالكسر ، واختار أبو عبيد الفتح .

وتسمى هذه السورة سورة الأحبار ،

ويقال : كعب الأحبار . والحبر بالكسر الذي يكتب به ، وينسب إليه الحبري الحبار .

ويقال : كتب الحبر لمكان الحبر الذي يكتب به ، وسمي حبراً لتحسينه الخط وتبيينه إياه .

وقيل : سمي حبراً لتأثيره في الموضع الذي يكون به من الحبار وهو الأثر .

العين : حاسة الرؤية وهي مؤنثة ، وتجمع في القلة على أعين وأعيان ، وفي الكثرة على عيون . وقال الشاعر : ولكنني أغدو عليّ مفاضة

دلاص كأعيان الجراد المنظم

ويقال للجاسوس : ذو العينين ، والعين لفظ مشترك بين معان كثيرة ذكرها اللغويون . الأنف : معروف والجمع آناف وأنف وأنوف .

المهيمن : الشاهد الرقيب على الشيء الحافظ له ، وهو اسم فاعل من هيمن قالوا : ولم يجيء على هذا الوزن إلا خمسة ألفاظ : هيمن ، وسيطر ، وبيطر ، وحيمر ، وبيقر ، ذكر هذا الخامس الزجاجي في شرحه خطبة أدب الكاتب ، ومعناه : سار من الحجاز إلى اليمن ، ومن أفق إلى أفق . وهيمن بنا أصل . وذهب بعض اللغويين إلى أنّ مهيمناً اسم فاعل من أمن غيره من الخوف قال : فأصله مأمن قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة اجتماع الهمزتين فصار مؤيمن ، ثم أبدلت الهمزة الأولى هاء كما قالوا : اهراق في اراق ، وهياك في إياك ، وهذا تكلف لا حاجة إليه ، وقد ثبت نظير هذا الوزن في ألفاظ فيكون هذا منها . وأيضاً فالهمزة في مؤمن اسم فاعل من آمن قد سقطت كراهة اجتماع الهمزتين ، فلا يدعي أنها أقرت وأبدل منها .

وأما ما ذهب إليه ابن قتيبة من أنه تصغير مؤمن ، وأبدلت همزته هاء ، فقد كتب إليه أبو العباس المبرد يحذره من هذا القول . واعلم أنّ أسماء اللّه تعالى لا تصغر . الشرعة : السنة والطريقة شرع يشرع شرعاً أي سنّ ، والشارع الطريق الأعظم ، ومنزل شارع إذا كان بابه قد شرع إلى طريق نافذ . المنهاج والمنهج : الطريق الواضح ، ونهج الأمر استبان ، ونهجت الطريق أبنته وأوضحته ، ونهجت الطريق سلكته .

{قَدِيرٌ يأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءامَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } روي عن أبي هريرة وابن عباس وجماعة : أن سبب نزولها أنّ يهودياً زنى بيهودية ، قيل : بالمدينة .

وقيل : بغيرها من أرض الحجاز ، فسألوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وطمعوا أن يكون غير الرجم حدهما ، وكان في التوراة رجم ، فأنكروا ذلك أن يكون في التوراة وافتضحوا إذ أحضروها ، وحكم الرسول فيهما بالرجم وأنفذه . وقال قتادة : السبب أنّ بني النضير كانوا إذا غزوا بني قريظة ، فإن قتل قرظي نضيرياً قتل به ، أو نضيري قرظياً أعطى الدية .

وقيل : كانت دية القرظي على نصف دية النضيري ، فلما جاء الرسول المدينة طلبت قريظة الاستواء لأنهما ابنا عم ، وطلبت الحكومة إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقالت بنو النضير : إنْ حكم بما نحن عليه فخذوه ، وإلا فاحذروا . وقال السدي : نزلت في رجل من الأنصار وهذا بعيد من مساق الآية . وذكروا أن هذا الرجل هو أبو لبابة بن عبد المنذر ، أشارت إليه قريظة يوم حصرهم

علام ينزل من الحكم ، فأشار إلى حلقه بمعنى أنه الذبح . وقال الشعبي : نزلت في قوم من اليهود قتل واحد منهم آخر ، فكلفوا رجلاً من المسلمين أن يسأل الرسول قالوا : فإنْ أفتى بالدية قبلنا ، وإن أفتى بالقتل لم نقبل . وهذا نحو من قول قتادة في النضير وقريظة .

ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما بين أحكام الحرابة والسرقة ، وكان في ذكر المحاربين أنهم يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فساداً ، أمره تعالى أن لا يحزن ولا يهتم بأمر المنافقين ، وأمر اليهود من تعنتهم وتربصهم به وبمن معه الدوائر ونصبهم له حبائل المكروه ، وما يحدث لهم من الفساد في الأرض . ونصب المحاربة للّه ولرسوله وغير ذلك من الرذائل الصادرة عنهم . ونداؤه تعالى له : يا أيها الرسول هنا ، وفي { يَعْمَلُونَ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلّغْ } ويا أيها النبي في مواضع تشريف وتعظيم وتفخيم لقدره ، ونادى غيره من الأنبياء باسمه فقال :{ أَجْمَعِينَ وَيَئَادَمُ اسْكُنْ } و { قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ }{ أَن ياإِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا }{ قَالَ يامُوسَى إِنْى اصْطَفَيْتُكَ }{ يا عيسى إني متوفيتك }{ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} وقال مجاهد وعبد اللّه بن كثير : من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، هم اليهود المنافقون ، وسماعون للكذب هم اليهود . والمعنى على هذا : لا تهتم بمسارعة المنافقين في الكفر واليهود بإظهار ما يلوح لهم من آثار الكفر وهو كيدهم للإسلام وأهله ، فإنّ ناصرك عليهم

ويقال : أسرع فيه السبب ، وأسرع فيه الفساد ، إذا وقع فيه سريعاً . ومسارعتهم في الكفر وقوعهم وتهافتهم فيه . أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها ، وتكون من الأولى والثانية على هذا تنبيهاً وتقسيماً للذين يسارعون في الكفر ، ويكون سماعون خبر مبتدأ محذوف أي : هم سماعون ، والضمير عائد على المنافقين وعلى اليهود . ويدل على هذا المعنى قراءة الضحاك : سماعين ، وانتصابه على الذم نحو قوله : أقارع عوف لا أحاول غيرها

وجوه قرود تبتغي من تخادع

ويجوز أن يكون :{ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ } استئنافاً ، وسماعون مبتدأ وهم اليهود ، وبأفواههم متعلق بقالوا لا بآمنا والمعنى : أنهم لم يجاوز قولهم أفواههم ، إنما نطقوا بالإيمان خاصة دون اعتقاد . و

قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون المعنى : لا يحزنك المسارعون في الكفر من اليهود ، وصفهم بأنهم قالوا : آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم إلزاماً منهم ذلك من حيث حرفوا توراتهم وبدلوا أحكامها ، فهم يقولون بأفواههم : نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى ، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوا وجحدوا ما فيها من نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم وغير ذلك مما ينكرونه . ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى بعد هذا { وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } ويجيء على هذا التأويل قوله : من الذين قالوا كأنه قال : ومنهم ، ولكنْ صرّح بذكر اليهود من حيث الطائفة السماعة غير الطائفة التي تبدّل التوراة على علم منها انتهى . وهو احتمال بعيد متكلف ، وسماعون من صفات المبالغة ، ولا يراد به حقيقة السماع إلا إن كان للكذب مفعولاً من أجله ، ويكون المعنى : إنهم سماعون منك أقوالك من أجل أن يكذبوا عليك ، وينقلون حديثك ، ويزيدون مع الكلمة أضعافها كذباً . وإن كان للكذب مفعولاً به لقوله : سماعون ، وعدى باللام على سبيل التقوية للعامل ، فمعنى السماع هنا قبولهم ما يفتريه أحبارهم ويختلقونه من الكذب على اللّه وتحريف كتابه من قولهم : الملك يسمع كلام فلان ، ومنه { سمع اللّه لمن حمده} وتقدم ذكر الخلاف في قراءة يحزنك ثلاثياً ورباعياً .

وقرأ السلمي : يسرعون بغير ألف من أسرع .

وقرأ الحسن وعيسى بن عمر : للكذب بكسر الكاف وسكون الذال .

وقرأ زيد بن عليّ : الكذب بضم

الكاف والذال جمع كذوب ، نحو صبور وصبر ، أي : سماعون للكذب الكذب .

{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ } فيحتمل أن يكون المعنى : سماعون لكذب قوم آخرين لم يأتوك أي كذبهم ، والذين لم يأتوه يهود فدك .

وقيل : يهود خيبر .

وقيل : أهل الرأبين .

وقيل : أهل الخصام في القتل والدية . ويحتمل أن يكون المعنى : سماعون لأجل قوم آخرين ، أي هم عيون لهم وجواسيس يسمعون منك وينقلون لقوم آخرين ، وهذا الوصف يمكن أن يتصف به المنافقون ، ويهود المدينة .

وقيل : السماعون بنو قريظة ، والقوم الآخرون يهود خيبر .

وقيل لسفيان بن عيينة : هل جرى ذكر الجاسوس في كتاب اللّه ؟ فقال : نعم . وتلا هذه الآية سماعون لقوم آخرين ، لم يأتوك : صفة لقوم آخرين . ومعنى لم يأتوك : لم يصلوا إلى مجلسك وتجافوا عنك لما فرط منهم من شدّة العداوة والبغضاء ، فعلى هذا الظاهر أن المعنى : هم قائلون من الأحبار كذبهم وافتراؤهم ، ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك .

{يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ } قرىء الكلم بكسر الكاف وسكون اللام أي : يزيلونه ويميلونه عن مواضعه التي وضعها اللّه فيها . قال ابن عباس والجمهور : هي حدود اللّه في التوراة ، وذلك أنهم غيروا الرجم أي : وضعوا الجلد مكان الرجم . وقال الحسن : يغيرون ما يسمعون من الرسول عليه السلام بالكذب عليه .

وقيل : بإخفاء صفة الرسول .

وقيل : بإسقاط القود بعد استحقاقه .

وقيل : بسوء التأويل . قال الطبري : المعنى يحرفون حكم الكلام ، فحذف للعلم به انتهى . ويحتمل أن يكون هذا وصفاً لليهود فقط ، ويحتمل أن يكون وصفاً لهم وللمنافقين فيما يحرفونه من الأقوال عند كذبهم ، لأن مبادىء كذبهم يكون من أشياء قيلت وفعلت ، وهذا هو الكذب الذي يقرب قبوله . ومعنى من بعد مواضعه : قال الزجاج من بعد أن وضعه اللّه مواضعه ، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه .

{يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَاذَا فَخُذُوهُ } الإشارة بهذا قيل : إلى التحميم والجلد في الزنا .

وقيل : إلى قبول الدية في أمر القتل .

وقيل : على إبقاء عزة النضير على قريظة ، وهذا بحسب الاختلاف المتقدم في سبب النزول .

وقال الزمخشري : إن أوتيتم ، هذا المحرّف المزال عن مواضعه فخذوه واعلموا أنه الحق ، واعملوا به انتهى . وهو راجع لواحد مما ذكرناه ، والفاعل المحذوف هو الرسول أي : إن أتاكم الرسول هذا .

{وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ } أي : وإنْ أفتاكم محمد بخلافه فاحذروا وإياكم من قبوله فهو الباطل والضلال .

وقيل : فاحذروا أن تعلموه بقوله السديد .

وقيل : أن تطلعوه على ما في التوراة فيأخذكم بالعمل به .

وقيل : فاحذروا أن تسألوه بعدها ، والظاهر الأول لأنه مقابل لقوله : فخذوه .

فالمعنى : وإن لم تؤتوه وأتاكم بغيره فاحذروا قبوله .

{وَمَن يُرِدِ اللّه فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّه شَيْئاً } قال الحسن وقتادة : فتنته أي عذابه بالنار . ومنه يوم هم على النار يفتنون أي يعذبون . وقال الزجاج : فضيحته .

وقيل : اختباره لما يظهر به أمره .

وقيل : إهلاكه .

وقال ابن عباس ومجاهد : كفره وإضلاله ، يقال : فتنه عن دينه صرفه عنه ، وأصله فلن يقدر على دفع ما يريد اللّه منه .

وقال الزمخشري : ومن يرد اللّه فتنته تركه مفتوناً وخذلانه ، فلن تستطيع له من لطف اللّه وتوفيقه شيئاً انتهى . وهذا على طريقة الاعتزال . وهذه الجملة جاءت تسلية للرسول وتخفيفاً عنه من ثقل حزنه على مسارعتهم في الكفر . وقطعاً لرجائه من فلاحهم .

{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّه أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } أي سبق لهم في علم اللّه ذلك ، وأن يكونوا مدنسين بالكفر . وفي هذا وما قبله ردّ على القدرية والمعتزلة .

وقال الزمخشري : أولئك الذين لم يرد اللّه أن يمنحهم من ألطافه ما يظهر به قلوبهم ، لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أنها لا تنفع ولا تنجع فيها . إن الذين لا يؤمنون بآيات اللّه لا يهديهم اللّه كيف يهدي اللّه قوماً كفروا

بعد إيمانهم انتهى . وهو على مذهبه الاعتزالي .

{لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ } أي ذل وفضيحة . فخزي المنافقين بهتك سترهم وخوفهم من القتل إن اطلع على كفرهم المسلمون ، وخزي اليهود تمسكنهم وضرب الجزية عليهم ، وكونهم في أقطار الأرض تحت ذمّة غيرهم وفي إيالته . وقال مقاتل : خزي قريظة بقتلهم وسبيهم ، وخزي بني النضير بإجلائهم .

{وَلَهُمْ فِى الاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وصف بالعظم لتزايده فلا انقضاء له ، أو لتزايد ألمه أو لهما .

﴿ ٤١