٥٤يا أيها الذين . . . . . {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللّه بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } وابن كعب والضحاك الحسن وقتادة وابن جريج وغيرهم : نزلت خطاباً للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة . ومن يرتد جملة شرطية مستقلة ، وهي إخبار عن الغيب . وتعرض المفسرون هنا لمن ارتد في قصة طويلة نختصرها ، فنقول : ارتد في زمان الرسول صلى اللّه عليه وسلم مذ حج ورئيسهم عبهلة بن كعب ذو الخمار ، وهو الأسود العنسي قتله فيروز على فراشه ، وأخبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقتله ، وسمى قاتله ليلة قتل . ومات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الغد ، وأتى خبر قتله في آخر ربيع الأول وبنو حنيفة رئيسهم مسيلمة قتله وحشي ، وبنو أسد رئيسهم طليحة بن خويلد هزمه خالد بن الوليد ، وأفلت ثم أسلم وحسن إسلامه . هذه ثلاث فرق ارتدت في حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وتنبأ رؤساؤهم . وارتد في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه سبع فرق . فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري ، وسليم قوم الفجاه بن عبد يا ليل ، ويربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر وقد تنبأت وتزوجها مسيلمة وقال : الشاعر : أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها وأصبحت أنبياء اللّه ذكرانا وقال أبو العلاء المعري : أمت سجاح ووالاها مسيلمة كذابة في بني الدنيا وكذاب وكندة قوم الأشعث ، وبكر بن وائل بالبحرين قوم الحظم بن يزيد . وكفى اللّه أمرهم على يدي أبي بكر رضي اللّه عنه . وفرقة في عهد عمر : غسان قوم جبلة بن الأيهم نصرته اللطمة وسيرته إلى بلد الروم بعد إسلامه . وفي القوم الذين يأتي اللّه بهم : أبو بكر وأصحابه ، أو أبو بكر وعمر وأصحابهما ، أو قوم أبي موسى ، أو أهل اليمن ألفان من البحر وخمسة آلاف من كندة وبجيلة ، وثلاثة آلاف من أخلاط الناس جاهدوا أيام القادسية أيام عمر . أو الأنصار ، أو هم المهاجرون ، أو أحياء من اليمن من كندة وبجيلة وأشجع لم يكونوا وقت النزول قاتل بهم أبو بكر في الردة ، أو القربى ، أو علي بن أبي طالب قاتل الخوارج أقوال تسعة . وفي المستدرك لأبي عبد اللّه الحاكم بإسناد : أنه لما نزلت أشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري فقال قوم : هذا . وهذا أصح الأقوال ، وكان لهم بلاء في الإسلام زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعامة فتوح عمر على أيديهم . وقرأ نافع وابن عامر : من يرتدد بدالين مفكوكاً ، وهي لغة الحجاز . والباقون بواحدة مشددة وهي لغة تميم . والعائد على اسم الشرط من جملة الجزاء محذوف لفهم المعنى تقديره : فسوف يأتي اللّه بقوم غيرهم ، أو مكانهم . ويحبونه معطوف على قوله : يحبهم ، فهو في موضع جر . وقال أبو البقاء : ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المنصوب تقديره : وهم يحبونه انتهى . وهذا ضعيف لا يسوغ مثله في القرآن . ووصف تعالى هؤلاء القوم بأنه يحبهم ويحبونه ، محبة اللّه لهم هي توفيقهم للإيمان كما قال تعالى : { وَلَاكِنَّ اللّه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاْيمَانَ } وإثابته على ذلك وعلى سائر الطاعات ، وتعظيمه إياهم ، وثناؤه عليهم ، ومحبتهم له طاعته ، واجتناب نواهيه ، وامتثال مأموراته . وقدم محبته على محبتهم إذ هي أشرف وأسبق . وقال الزمخشري : وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله ، وأمقتهم للشرع ، وأسوأهم طريقة ، وإن كانت طريقته عند أمثاله من السفهاء والجهلة شيئاً وهم : الفرقة المنفعلة والمتفعلة من الصوف وما يدينون به من المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها اللّه ، وفي مراقصهم عطلها اللّه ، بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء اللّه وصعقاتهم التي تشبه صعقة موسى عند دك الطور ، فتعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً . ومن كلماته كما أنه بذاته يحبهم ، كذلك يحبون ذاته ، فإن الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات . ومنها الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة ، فإذا لم يكن ذلك لم يكن فيه حقيقة انتهى كلام الزمخشري رحمه اللّه تعالى . وقال بعض المعاصرين : قد عظم أمر هؤلاء المنفعلة عند العامة وكثر القول فيهم بالحلول والوحدة ، وسر الحروف ، وتفسير القرآن على طريق القرامطة الكفار الباطنية ، وادعاء أعظم الخوارق لأفسق الفساق ، وبغضهم في العلم وأهله ، حتى أن طائفة من المحدثين قصدوا قراءة الحديث على شيخ في خانقاتهم يروي الحديث فبنفس ما قرأوا شيئاً من حديث الرسول . خرج شيخ الشيوخ الذين هم يقتدون به ، وقطع قراءة الحديث ، وأخرج الشيخ المسمع والمحدثين وقال : روحوا إلى المدارس شوشتم علينا . ولا يمكنون أحداً من قراءة القرآن جهراً ، ولا من الدرس للعلم . وقد صح أنّ بعضهم ممن يتكلم بالدهر على طريقتهم ، سمع ناساً في جامع يقرؤون القرآن فصعد كرسيه الذي يهدر عليه فقال : يا أصحابنا شوشوا علينا ، وقام نافضاً ثوبه ، فقام أصحابه وهو يدلهم لقراء القرآن ، فضربوهم أشد الضرب ، وسل عليهم السيف من اتباع ذلك الهادر وهو لا ينهاهم عن ذلك . وقد علم أصحابه كلاماً افتعلوه على بعض الصالحين حفظهم إياه يسردونه حفظاً كالسورة من القرآن ، وهو مع ذلك لا يعلمهم فرائض الوضوء ، ولا سننه ، فضلاً عن غيرها من تكاليف الإسلام . والعجب أن كلاً من هؤلاء الرؤوس يحدث كلاماً جديداً يعلمه أصحابه حتى يصير لهم شعاراً ، ويترك ما صح عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من الأدعية المأثورة المأمور بها . وفي كتاب اللّه تعالى على غثاثة كلامهم ، وعاميته ، وعدم فصاحته ، وقلة محصوله ، وهم مستمسكون به كأنه جاءهم به وحي من اللّه . ولن ترى أطوع من العوام لهؤلاء يبنون لهم الخوانق والربط ، ويرصدون لهم الأوقاف ، وهم أبغض الناس في العلم والعلماء ، وأحبهم لهذه الطوائف . والجاهلون لأهل العلم أعداء . {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } هو جمع ذليل لا جمع ذلول الذي هو نقيض الضعف ، لأن ذلولاً لا يجمع على أذلة بل ذلل ، وعدي أذلة بعلى وإن كان الأصل باللام ، لأنه ضمنه معنى الحنو والعطف كأنه قال : عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع . قيل :أو لأنه على حذف مضاف التقدير : على فضلهم على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع . قيل :أو لأنه على حذف مضاف التقدير : على فضلهم على المؤمنين ، والمعنى أنهم يذلون ويخضعون لمن فضلوا عليه مع شرفهم وعلو مكانهم ، وهو نظير قوله :{ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } وجاءت هذه الصفة بالاسم الذي فيه المبالغة ، لأن أذلة جمع ذليل وأعزة جمع عزيز ، وهما صفتا مبالغة ، وجاءت الصفة قبل هذا بالفعل في قوله :{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } لأن الاسم يدل على الثبوت ، فلما كانت صفة مبالغة ، وكانت لا تتجدد بل هي كالغريزة ، جاء الوصف بالاسم . ولما كانت قبل تتجدد ، لأنها عبارة عن أفعال الطاعة والثواب المترتب عليها ، جاء الوصف بالفعل الذي يقتضي التجدد . ولما كان الوصف الذي يتعلق بالمؤمن أوكد ، ولموصوفه الذي قدم على الوصف المتعلق بالكافر ، ولشرف المؤمن أيضاً . ولما كان الوصف الذي بين المؤمن وربه أشرف من الوصف الذي بين المؤمن والمؤمن ، قدّم قوله يحبهم ويحبونه على قوله : أذلة على المؤمنين . وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من ذهب إلى أن الوصف إذا كان بالاسم وبالفعل لا يتقدم الوصف بالفعل على الوصف بالاسم إلا في ضرورة الشعر نحو قوله : وفرع يغشى المتن أسود فاحم إذ جاء ما ادعى أنه يكون في الضرورة في هذه الآية ، فقدم يحبهم ويحبونه وهو فعل على قوله : أذلة وهو اسم . وكذلك قوله تعالى :{ وَهَاذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } وقرىء شاذاً أذلة ، وهو اسم وكذا أعزة نصباً على الحال من النكرة إذا قربت من المعرفة بوصفها . وقرأ عبد اللّه : غلظاء على الكافرين مكان أعزة . {يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّه} أي في نصرة دينه . وظاهر هذه الجملة أنها صفة ، ويجوز أن تكون استئناف أخبار . وجوز أبو البقاء أن تكون في موضع نصب حالاً من الضمير في أعزة . {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } أي هم صلاب في دينه ، لا يبالون بمن لام فيه . فمتى شرعوا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، أمضوه لا يمنعهم اعتراض معترض ، ولا قول قائل هذان الوصفان أعني : الجهاد والصلابة في الدين هما نتيجة الأوصاف السابقة ، لأنّ من أحب اللّه لا يخشى إلا إياه ، ومن كان عزيزاً على الكافر جاهداً في إخماده واستئصاله . وناسب تقديم الجهاد على انتفاء الخوف من اللائمين لمحاورته أعزة على الكافرين ، ولأن الخوف أعظم من الجهاد ، فكان ذلك ترقياً من الأدنى إلى الأعلى . ويحتمل أن تكون الواو في : ولا يخافون ، واو الحال أي : يجاهدون ، وحالهم في المجاهدة غير حال المنافقين ، فإنهم كانوا موالين لليهود ، فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود وتخاذلوا وخذلوا حتى لا يلحقهم لوم من جهتهم . وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه اللّه ، لا يخافون لومة لائم . ولومة للمرة الواحدة وهي نكرة في سياق النفي . فتعم أي : لا يخافون شيئاً قط من اللوم . {ذالِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } الظاهر أنّ ذلك إشارة إلى ما تقدّم من الأوصاف التي تحلى بها المؤمن . ذكر أنَّ ذلك هو فضل من اللّه يؤتيه من أراد ، ليس ذلك بسابقة ممن أعطاه إياه ، بل ذلك على سبيل الإحسان منه تعالى لمن أراد الإحسان إليه . وقيل : ذلك إشارة إلى حب اللّه لهم وحبهم له . وقيل : إشارة إلى قوله : أذلة على المؤمنين ، وهو لين الجانب ، وترك الترفع على المؤمن . قال الزمخشري : يؤتيه من يشاء ممن يعلم أنّ لطفاً انتهى . وفيه دسيسة الاعتزال . ويؤتيه استئناف ، أو خبر بعد خبر أو حال . {وَاللّه واسِعٌ عَلِيمٌ } أي واسع الإحسان والإفضال عليم بمن يضع ذلك فيه . |
﴿ ٥٤ ﴾