٥٩قل يا أهل . . . . . {قُلْ ياأَهْلَ أَهْلِ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِاللّه وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال ابن عباس : أتى نفر من يهود فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمن يؤمن به من الرسل ؟ فقال : أؤمن باللّه :{ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } إلى قوله :{ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى ، ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ، ولا ديناً شراً من دينكم ، فنزلت . والمعنى : هل تعيبون علينا ، أو تنكرون ، وتعدون ذنباً ، أو نقيصة ما لا ينكر ولا يعاب ، وهو الإيمان بالكتب المنزلة كلها ؟ وهذه محاورة لطيفة وجيزة تنبه الناقم على أنه ما نقم عليه إلا ما لا ينقم ولا يعد عيباً ونظيره قول الشاعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب والخطاب قيل : للرسول ، وهو بمعنى ما النافية . وقرأ الجمهور : تنقمون بكسر القاف ، والماضي نقم بفتحها ، وهي التي ذكرها ثعلب في الفصيح . ونقم بالكسر ، ينقم بالفتح لغة حكاها الكسائي وغيره . وقرأ بها أبو حيوة والنخعي وابن أبي عبلة وأبو البر هشيم ، وفسر تنقمون بتسخطون وتتكرهون وتنكرون وتعيبون وكلها متقاربة . وإلا أن آمنا استثناء فرغ له الفاعل . وقرأ الجمهور : أنزل مبنياً للفاعل ، وذلك في اللفظين ، وقرأهما أبو نهيك : مبنيين للفاعل ، وقرأ نعيم بن ميسرة : وإن أكثركم فاسقون بكسر الهمزة ، وهو واضح المعنى ، أمره تعالى أن يقول لهم هاتين الجملتين ، وتضمنت الأخبار بفسق أكثرهم وتمردهم . وقرأ الجمهور : بفتح همزة أن وخرج ذلك على أنها في موضع رفع ، وفي موضع نصب ، وفي موضع جر . فالرّفع على الابتداء . وقدر الزمخشري الخبر مؤخراً محذوفاً أي : وفسق أكثركم ثابت معلوم عندكم ، لأنكم علمتم أنا على الحق ، وأنكم على الباطل ، إلا أنّ حب الرّياسة والرشا يمنعكم من الاعتراف . ولا ينبغي أن يقدم الخبر إلا مقدماً أي : ومعلوم فسق أكثركم ، لأن الأصح أن لا يبدأ بها متقدّمة إلا بعد أما فقط . والنصب من وجوه : أحدها : أن يكون معطوفاً على أن آمنا أي : ما تنقمون منا إلا إيماننا وفسق أكثركم ، فيدخل الفسق فيما نقموه ، وهذا قول أكثر المتأوّلين . ولا يتجه معناه لأنهم لا يعتقدون فسق أكثرهم ، فكيف ينقمونه ، لكنه يحمل على أن المعنى ما تنقمون منا إلا هذا المجموع من إنا مؤمنون وأكثركم فاسقون ، وإن كانوا لا يسلمون إن أكثرهم فاسقون ، كما تقول : ما تنقم مني إلا أني صدّقت وأنت كذبت ، وما كرهت مني إلا أني محبب إلى الناس وأنت مبغض ، وإن كان لا يعترف أنه كاذب ولا أنه مبغض ، وكأنه قيل : ما تنقمون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في الإسلام وأنتم خارجون . والوجه الثاني : أن يكون معطوفاً على إن آمنا ، إلا أنه على حذف مضاف تقديره : واعتقادنا فيكم أن أكثركم فاسقون ، وهذا معنى واضح . ويكون ذلك داخلاً في ما تنقمون حقيقة . الثالث : أن تكون الواو واو مع ، فتكون في موضع نصب مفعولاً معه التقدير : وفسق أكثرهم أي : تنقمون ذلك مع فسق أكثركم والمعنى : لا يحسن أن تنقموا مع وجود فسق أكثركم كما تقول : تسيء إلي مع أني أحسنت إليك . الرابع : أن تكون في موضع نصب مفعول بفعل مقدّر يدل عليه ، هل تنقمون تقديره : ولا تنقمون أنّ أكثركم فاسقون . والجرّ على أنه معطوف على قوله : بما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وبأن أكثركم فاسقون ، والجر على أنه معطوف على علة محذوفة التقدير : ما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم . ويدل عليه تفسير الحسن بفسقكم نقمتم ذلك علينا . فهذه سبعة وجوه في موضع إو وصلتها ، ويظهر وجه ثامن ولعله يكون الأرجح ، وذلك أنّ نقم أصلها أن تتعدّى بعلى ، تقول : نقمت على الرجل أنقم ، ثم تبنى منها افتعل فتعدّى إذ ذاك بمن ، وتضمن معنى الإصابة بالمكروه . قال تعالى : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللّه مِنْهُ وَاللّه عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } ومناسبة التضمين فيها أنّ من عاب على شخص فعله فهو كاره له لا محالة ومصيبه عليه بالمكروه ، وإن قدر ، فجاءت هنا فعل بمعنى افتعل لقولهم : وقد رأوه ، ولذلك عدّيت بمن دون التي أصلها أن يعدي بها ، فصار المعنى : وما تنالون منا أو وما تصيبوننا بما نكره إلا أن آمنا أي : لأنْ آمنا ، فيكون أن آمنا مفعولاً من أجله ، ويكون وإن أكثركم فاسقون معطوفاً على هذه العلة ، وهذا واللّه أعلم سبب تعديته بمن دون على ، وخص أكثركم بالفسق لأن فيهم من هدى إلى الإسلام ، أو لأنّ فساقهم وهم المبالغون في الخروج عن الطاعة هم الذين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون تقرّباً إلى الملوك ، وطلباً للجاه والرياسة ، فهم فساق في دينهم لا عدول ، وقد يكون الكافر عدلاً في دينه ، ومعلوم أنّ كلهم لم يكونوا عدولاً في دينهم ، فلذلك حكم على أكثرهم بالفسق . |
﴿ ٥٩ ﴾