٦٣

لولا ينهاهم الربانيون . . . . .

{لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالاْحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } لولا تحضيض يتضمن توبيخ العلماء والعباد على سكوتهم عن النهي عن معاصي اللّه تعالى والأمر بالمعروف . وقال العلماء : في ما في القرآن آية أشد توبيخاً منها للعلماء . وقال الضحاك : ما في القرآن أخوف منها ، ونحوه ابن عباس . والإثم هنا ظاهره الكفر ، أو يراد به سائر أقوالهم التي يترتب عليها الإثم .

وقرأ الجراح وأبو واقد : الربيون مكان الربانيون ، وابن عباس بئس ما كانوا يصنعون بغير لام قسم . والظاهر أنّ الضمير في كانوا عائد على الربانيين ، والأحبار إذ هم المحدث عنهم والموبخون بعدم النهي .

قال الزمخشري : كل عامل لا يسمى صانعاً ، ولا كل عمل يسمى صناعة

حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه ، وكان المعنى في ذلك : أن مواقع المعصية معها الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها ،

وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره ، فإذا أفرط في الإنكار كان أشد حالاً من المواقع ، وظهر بذلك الفرق بين ذمِّ متعاطي الذنب ، وبين تارك النهي عنه ، حيث جعل ذلك عملاً وهذا صناعة . وقد يقال : أنه غاير في ذلك لتفنن الفصاحة ، ولترك تكرار اللفظ . وفي الحديث : { مَّا مِن رَجُلٌ } وأوحى إلى يوشع بهلاك أربعين ألفاً من خيار قومه ، وستين ألفاً من شرارهم فقال : يا رب ما بال الأخيار ؟ فقال : إنهم لم يغضبوا الغضبى ، وواكلوهم وشاربوهم . وقال مالك بن دينار : أوحى اللّه إلى الملائكة أن عذبوا قرية كذا ، فقالت الملائكة : إنّ فيها عبدك العابد فقال : أسمعوني ضجيجه ، فإنه لم يتمعر وجهه أي : لم يحمرّ غضباً . وكتب بعض العلماء إلى عابد تزهد وانقطع في البادية : إنك تركت المدينة مهاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومهبط وحيه وآثرت البداوة . فقال : كيف لا أترك مكاناً أنت رئيسه ، وما رأيت وجهك تمعر في ذات اللّه قط يوماً أو كلاماً هذا معناه أو قريب من معناه .

وأما زماننا هذا وعلماؤنا وعبادنا فحالهم معروف فيه ، ولم نر في أعصارنا من يقارب السلف في ذلك غير رجل واحد وهو أستاذنا أبو جعفر بن الزبير ، فإن له مقامات في ذلك مع ملوك بلاده ورؤسائهم حمدت فيها آثاره ، ففي بعضها ضرب ونهبت أمواله وخربت دياره ، وفي بعضها أنجاه من الموت فراره ، وفي بعضها جعل السجن قراره .

﴿ ٦٣