١٠١يا أيها الذين . . . . . {عَنْ أَشْيَاء } مذهب سيبويه والخليل أنها الفعاء مقلوبة من فعلاء ، والأصل شيئاً من مادة شيء ، وهو اسم جمع كطرفاء وحلفاء ومذهب غيرهما أنها جمع . واختلفوا فقال الكسائي وأبو حاتم ، هو جمع شيء كبيت وأبيات ، وقال الكسائي لم تنصرف أشياء لشبه آخرها بآخر حمراء ولكثرة استعمالها والعرب تقول أشياوان كما تقول حمراوان . ذهب الفراء والأخفش إلى أنها جمع على وزن أفعلاء ، قال الفراء شيء مخفف من شيء كما قالوا هوناً في جمع هين المخفف من هين ، وقال الأخفش ليس مخففاً من شيء بل هو فعل جمع على أفعلاء فاجتمع في هذين القولين همزتان لام الكلمة وهمزة التأنيث فقلبت الهمزة التي هي لام الكلمة ياء لانكسار ما قبلها ثم حذفت الياء التي هي عين الكلمة استخفافاً ، وذهب قوم إلى أن وزن شيء في الأصل شيء كصديق وأصدقاء ، ثم حذفت الهمزة الأولى وفتحت ياء المدلكون ما بعدها ألفاً ، قال ووزنها في هذا القول إلى أفياء وفي القول الذي قبله أفلاء ، وتقرير هذه المذاهب صحة وإبطالاً مذكور في علم التصريف . البحيرة فعيلة بمعنى مفعولة كالنطيحة بمعنى المنطوحة ، قال أبو عبيدة هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن في آخرها ذكر شقوا أذنها وخلوا سبيلها لا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن ماء ولامرعى ، وروي نحوه عن ابن عباس إلا أنه لم يذكر عنه آخرها ذَكَر ، وقال قتادة وينظر في الخامس فإذا كان ذكراً ذبحوه وأكلوه وإن كانت أنثى شقوا أذن الأنثى وقالوا هي بحيرة ، فلم تركب ولم تطرد عن ماء ولا مرعى وإذا لقيها ألمعي لم يركبها تحرّجاً وتخوراً منه . روي عن عكرمة وزاد ، حرم على النساء لحمها ولبنها فإذا ماتت حلت للنساء ، وقال ابن سيدة البحيرة هي التي خليت بلا راع ، وقال مجاهد البحيرة ما نتجت السائبة من أنثى شق أذنها وخلّى سبيلها مع أمها في الفلا لم تركب ولم تحلب كما فعل بأمها ، وقال ابن المسيب هي التي تمنع درها للطواغيت فلا يحلبها ، وقيل هي الناقة إذا ولدت خمساً أو سبعاً شقوا أذنها . وقال ابن عطية إذا نتجت الناقة عشرة أبطن شقوا أذنها نصفين طولاً فهي مبحورة وتركت ترعى وترد الماء ولا ينتفع منها بشيء ويحرم لحمها إذا ماتت على النساء ويحل للرّجال ، وقيل البحيرة السقب هذا ولد يحزوا أذنه ، وقالوا اللّهم إن عاش فعفى وإن مات فذكى فإذا مات أكل ، ويظهر من اختلاف هذه النقول أن العرب كانت تختلف طرائقها في البحيرة فصار لكلّ منها في ذلك طريقة وهي كلها ضلال . السائبة فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض يقال ساب الماء وسابت الحية ، وقيل هي السيبة اسم الفاعل بمعنى المفعول نحو قولهم { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } أي مرضية ، قال أبو عبيدة كان الرّجل إذا قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيراً فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حلوا لها ، وقال الفراء إذا ولدت الناقة عشرة أبطن إناث سيبت فلم تركب ولم تحلب ولم يجزّ لها وبر ولم يشرب لها لبن إلا ولد أو ضيف ، وقال ابن عباس السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق ، وكان الرجل يسبب من ماله شيئاً فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل ، وقال الشافعي كانوا ينذرون تسبيب الناقة ليحج حجة عليها ، وقيل السائبة العبد يعتق على أن لا يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث . الوصيلة هي في الغنم على قول الأكثرين ، روى أبو صالح عن ابن عباس أنها الشاة تنتج سبعة أبطن فإن كان السابع أنثى لم تنتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرّجال والنساء وإن كان ذكراً ، ونحوه أكلوه جميعاً . فإذا كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فتترك مع أخيها فل ا تذبح ومنافعها للرّجال دون النساء فإذا ماتت اشترك الرّجال والنساء فيها ، وقال ابن قتيبة إن كان السابع ذكراً ذبح فأكل منه الرجال دون النساء وقالوا خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن كانت أنثى تركت في الغنم وإن كانت ذكراً وأنثى فكما في قول ابن عباس ، وقال ابن إسحاق هي الشاة تنتج عشرة أبطن متواليات في خمسة أبطن وما ولدت بعد ذلك فللذكور دون الإناث ، وقال الفراء هي الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين فإذا ولدت في سابعها عناقاً وجدياً قيل وصلت أخاها فجرت مجرى السائبة ، وقال الزجاج هي الشاة التي تلد أنثى فلهم أو ذكراً فلآلهتهم ، وقال أبو عبيدة نحوه وزاد إذا ولدت ذكراً وأنثى معاً قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوه لمكانها ، وروى الزهري عن ابن المسيب أنها الناقة البكر تبتكر في أول النتاج بالأنثى ثم تثنى بالأنثى فيستقونها لطواغيتهم ويقولون وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر ، وقيل هي الشاة تلد ثلاثة أبطن أو خمسة فإن كان آخرها جدياً ذبحوه لآلهتهم أو عناقاً استحيوها وقالوا هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من الذبح . الحامي اسم فاعل من حمى وهو الفحل من الإبل ، قال ابن مسعود وابن عباس واختاره أبو عبيدة والزجاج هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن فيقولون قد حمى ظهره فيسيبونه لأصنامهم فلا يحمل عليه شيء ، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس واختاره الفراء أنه الفحل يولد لولد ولده ، وقال عطاء هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن فيظهر من بين أولاده عشرة إناث من بناته وبنات بنانه ، وقال ابن زيد هو الذي ينتج له سبع إناث متواليات وذكر الماوردي عن الشافعي أنه يضرب في إبل الرجل عشر سنين . الحبس المنع من التصرف يقال حبست أحبس واحتبست فرساً في سبيل اللّه فهو محبس وحبيس وقفته للغزو . وعثر على الرجل اطلع عليه مشتق من العثرة التي هي الوقوع وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو فلذلك قيل لكل من اطلع على أمر كان خفيًّا عليه قد عثر عليه ويقال قد عثر عليه وقد أعثر عليه إذا أطلعه عليه ومنه { وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } أي اطلعنا ، وقال الليث عثر يعثر عثوراً هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وعثر عثرة وقع على شيء . المائدة الخوان الذي عليه طعام فإذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة ، قال أبو عبد اللّه هي فاعلة بمعنى مفعولة وهي من العطاء والممتاد المطلوب منه العطاء ماده أعطاه وامتاده استعطاه . وقال الزجاج هي فاعلة من ماد يميد تحرك فكأنها تميد بما عليها ، وقال ابن قتيبة المائدة الطعام من ماده يميده أعطاه كأنها تميد الآكلين أي تطعمهم وتكون فاعلة بمعنى مفعول بها أي ميد بها الآكلون . وقيل من الميد وهو الميل وهذا قريب من قول الزجاج . {تُفْلِحُونَ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن أنس قال : قال رجل : يا رسول اللّه من أبي قال { أبوك فلان} ونزلت الآية . وفي حديث أنس أيضاً أن رجلاً قال : أين مدخلي يا رسول اللّه ؟ قال : { النار } وإن السائل من أبي هو عبد اللّه بن حذافة وفي غير حديث أنس ، فقام آخر فقال من أبي فقال { أبوك سالم مولى شيبة} ، وقيل نزلت بسبب سؤالهم عن الحج أفي كل عام ؟ فسكت فقال أفي كل عام ؟ قال : { لا ولو قلت نعم لوجبت} . روي هذا عن عليّ وأبي هريرة وأبي أمامة وابن عباس ، وقيل السائل سراقة بن مالك ، وقيل عكاشة بن محصن الأسدي ، وقيل محصن ، وقيل رجل من بني أسد . وقيل الأقرع بن حابس ، وقال الحسن : سألوا عن أمور الجاهلية التي عفا اللّه عنها ولا وجه للسؤال عما عفا اللّه عنه ، وقال ابن جبير ورواه مجاهد عن ابن عباس : سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ولذلك جاء ذكرها بعدها وروي عن عكرمة أنهم سألوا الآيات والمعجزات . وذكر أبو سليمان الدمشقي أنها نزلت في تسهيم الفرائض ، وروي أنه تعالى لما بين أمر الكعبة والهدي والقلائد وأعلم أن حرمتها هو تعالى الذي شرعها إذ هي أمور قديمة من لدن إبراهيم عليه السلام ، ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن سائر أحكام الجاهلية هل تلحق بذلك أم لا ؟ إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع سنة لا يفرقون بين ما هو من عند اللّه وما هو من تلقاء الشيطان ، والظاهر من الروايات أن الأعراب ألحوا عليه بأنواع من السؤالات فزجروا عن ذلك بهذه الآية ، وقيل نزلت في حجاج اليمامة حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم فنهوا عن الإيقاع بهم وإن كانوا مشركين ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه لما قال :{ مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ } صار كأنه قيل ما بلغه الرسول فخذوه وكونوا منقادين له وما لم يبلغه فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه فربما جاءكم بسبب الخوض الفاسد تكاليف تشق عليكم ، قاله أبوعبد اللّه الرازي وفيه بعض تلخيص ، وقال أيضاً هذا متصل بقوله { وَاللّه يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مختلفة والجملة الشرطية وما عطف عليها من الشرط في موضع الصفة لأشياء والمعنى لا تكثروا مسألة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتى لكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها قاله الزمخشري وبناه على ما نقل في سبب النزول أنه سئل عن الحج ، وقرأ الجمهور { إِن تُبْدَ لَكُمْ } بالتاء مبنيّاً للمفعول ، وقرأ ابن عباس ومجاهد مبنيّاً للفاعل ، وقرأ الشعبي بالياء مفتوحة من أسفل وضم الدال { يسؤكم } بالياء فيهما مضمومة في الأول ومفتوحة في الثاني ، وقال ابن عطية والتحرير إن يبدها اللّه تعالى . {تُفْلِحُونَ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن } قال ابن عباس معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوءكم ، مثل الذي قال من أبي ؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذ إن سألتم عن بيانه بين لكم وأبدى انتهى . قال ابن عطية : فالضمير في قوله { عَنْهَا } عائد على نوعها لا على الأول التي نهى عن السؤال عنها . قال : ويحتمل أن يكون في معنى الوعيد كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم غب ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في النار انتهى . وقال الزمخشري { يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ } أي عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه { تُبْدَ لَكُمْ } تلك التكاليف { الَّتِى } وتؤمروا بتحملها فتعرّضوا أنفسكم لغضب اللّه بالتفريط فيها انتهى . وعلى هذا يكون الضمير في { وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا } عائداً على أشياء نفسها لا على نوعها والذي يظهر أنهم نهوا عن السؤال عن أشياء وصفت بوصفين أحدهما أنها إن سألوا عنها أبديت لهم وقت نزول القرآن فيكون { حِينٍ } ظرفاً لقوله { تُبْدَ لَكُمْ } لا لقوله { وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا } والوصف الثاني أنها إن أبديت لهم ساءتهم وهذا الوصف وإن تقدم مرتب على الوصف المتأخر وإنما تقدم لأنه أردع لهم عن المسألة عن تلك الأشياء أن يسألوا عنها لأنهم إذا أخبروا أنهم تسوءهم تلك المسألة إذا أبديت كانت أنفر عن أن يسألوا بعد ، فما كان هذا الوصف أزجر عن السؤال قدّم وتأخر الوصف في الذكر الذي ليس فيه زجر ولا ردع واتكل في ذلك على فهم المعنى مع أن غطف الوصف الثاني بالواو يقتضي التشريك فقط دون الترتيب ، ولا يدل قوله وإن تسألوا عنها على جواز السؤال كما زعم بعضهم فقال : الضمير عائد على أشياء فكيف يفعل أشياء بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعاً وجائزاً معاً . وأجاب بوجهين أحدهما أن يكون ممنوعاً قبل نزول القرآن مأموراً به بعد نزوله الثاني أنهما وإن كانا غير مختلفين إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولاً عنه شيء واحد ، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير ، انتهى . وهذا ليس بجواب ثان لأنه فرض أن تلك الأشياء بأعيانها ، السؤال عنها ممنوع وجائز وإذا كانا نوعين مختلفين فليست الأشياء بأعيانها وجملة الشرط كما ذكرناه لا تدل على الجواز ألا ترى أنك تقول لا تزن وإن زنيت حددت فقوله وإن زنيت حددت لا يدل ذلك على الجواز بل جملة الشرط لا تدل على الوقوع بل لا تدل على الإمكان إذ قد يقع التعليق بين المستحيلين كقوله لئن أشركت ليحبطن عملك . {عَفَا اللّه عَنْهَا } ظاهره أنه استئناف إخباره من اللّه تعالى ، وذهب بعضهم إلى أنها في موضع جر صفة لأشياء كأنه قيل لا تسألوا عن أشياء معفو عنها ويكون معنى عفا أي ترك لكم التكليف فيها والمشقة عليكم بها لقوله إن اللّه قد عفا لكم عن صدقة الخيل ، وهو القول الأول وهو الاستئناف يحتمل أن يكون المعنى هذا أي تركها اللّه ولم يعرفكم بها ويحتمل أن يكون المعنى أنه تجاوز عن ارتكابكم تلك السؤالات ولم يؤاخذكم بها ويدل على هذا المعنى قوله :{ وَاللّه غَفُورٌ حَلِيمٌ } ولذلك قال الزمخشري عفا اللّه عنكم ما سلف عن مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها . {وَاللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يؤاخذكم بما يفرط منكم بعقوبته خرّج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { إن اللّه تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها} . وروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : { إن أعظم الناس جرماً من سأل عن مسألة لم تكن حراماً فحرمت من أجل مسألته} . |
﴿ ١٠١ ﴾