١١٦

وإذ قال اللّه . . . . .

{وَإِذْ قَالَتْ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَاهَيْنِ مِن دُونِ اللّه قَالَ } قال أبو عبيدة { إِذْ } زائدة وقال غيره بمعنى إذا والظاهر أنها على أصل وضعها وأن ما بعدها من الفعل الماضي قد وقع ولا يؤول

ب قول . قال السدي وغيره كان هذا القول من اللّه تعالى حين رفع عيسى إليه وقالت النصارى ما قالت وادعت أن عيسى أمرهم بذلك واختاره الطبري .

وقال ابن عباس وقتادة والجمهور : هذا القول من اللّه تعالى إنما هو يوم القيامة يقول له على رؤوس الخلائق فيعلم الكفار أن ما كانوا عليه باطل ، فيقع التجوز في استعمال { إِذْ } بمعنى إذا والماضي بعده بمعنى المستقبل وفي إيلاء الاستفهام الاسم ، ومجيء الفعل بعده دلالة على صدور الفعل في الوجود لكن وقع الاستفهام عن النسبة أكان هذا الفعل الواقع صادراً عن المخاطب أم ليس بصادر عنه ، بيان ذلك أنك تقول : أضربت زيداً ، فهذا استفهام هل صدر منك ضرب لزيد أم لا ، ولا إشعار فيه بأن ضرب زيد قد وقع . فإذا قلت أنت ضربت زيداً كان الضرب قد وقع بزيد ، لكنك استفهمت عن إسناده للمخاطب ، وهذه مسألة بيانية نص على ذلك أبو الحسن الأخفش . وذكر المفسرون أنه لم يقل أحد من النصارى بإلهية مريم ، فكيف قيل { إِلاهَيْنِ } ، وأجابوا بأنهم لما قالوا لم تلد بشراً وإنما ولدت إلهاً ، لزمهم أن يقولوا من حيث البغضية بإلهية من ولدته ، فصاروا بمثابة من قال : انتهى . والظاهر صدور هذا القول في الوجود لا من عيسى ، ولا يلزم من صدور القول وجود الاتخاذ .

{قَالَ سُبْحَانَكَ } أي تنزيهاً لك .

قال ابن عطية : عن أن يقال هذا وينطق به ؛

وقال الزمخشري من أن يكون لك شريك ، والظاهر الأول لقوله بعد { مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } قال أبو روق : لما سمع عيسى هذا المقال ارتعدت مفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة عين من دم ، فقال عند ذلك مجيباً للّه تعالى :{ سُبْحَانَكَ } تنزيهاً وتعظيماً لك وبراءة لك من السوء .

{مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } هذا نفي يعضده دليل العقل فيمتنع عقلاً ادعاء بشر محدث الإلهية و { بِحَقّ } خبر ليس أي ليس مستحقاً وأجازوا في { لِى } أن يكون تبييناً وأن يكون صلة صفة لقوله { يُحِقَّ } لي تقدم فصار حالاً أي بحق لي ، ويظهر أنه يتعلق بحق لأن الباء زائدة ، وحق بمعنى مستحقّ أي ما ليس مستحقاً ، وأجاز بعضهم أن يكون الكلام قد تم عند قوله { مَا لَيْسَ لِى } وجعل { بِحَقّ } متعلقاً بعلميته الذي هو جواب الشرط ، ورد ذلك بادعاء التقديم والتأخير فيما ظاهره خلاف ذلك ، ولا يصار إلى التقديم والتأخير إلا لمعنى يقتضي ذلك ، أو بتوقيف ، أو فيما لا يمكن فيه إلا ذلك ؛ انتهى هذا القول ورده ، ويمتنع أن يتعلق بعلميته لأنه لا يتقدم على الشرط شيء من معمولات فعل الشرط ولا من معمولات جوابه ، ووقف نافع وغيره من القراء على قوله { بِحَقّ } وروي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم.

{إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } قال أبو عبد اللّه الرازي : هذا مقام خضوع وتواضع ، فقدم ناسخ نفي القول عنه ، ولم يقل ما قلته بل فوّض ذلك إلى علمه المحيط بالكلّ وهذه مبالغة في الأدب وفي إظهار الذلة والمسكنة في حضرة الجلال ، وتفويض الأمر بالكلية إلى الحق

سبحانه ، انتهى ، وفيه بعض تلخيص .

{تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } خصّ النفس لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات . قيل : المعنى : تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي .

وقيل : تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك .

وقيل : تعلم سرّي ولا أعلم سرّك .

وقال الزمخشري : تعلم معلومي ولا أعلم معلومك وأتى بقوله :{ مَا فِى نَفْسِكَ } على جهة المقابلة والتشاكل لقوله { مَا فِى نَفْسِى } فهو شبيه بقوله :{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّه } وقوله :{ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ اللّه يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } ومن زعم أن النفس تطلق على ذات الشيء وحقيقته ، كان المعنى عنده تعلم كنه ذاتي ولا أعلم كنه ذاتك ، وقد استدلت المجسمة بقوله { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } قالوا : النفس هي الشخص وذلك يقتضي كونه جسماً . تعالى اللّه عن ذلك علوًّا كبيراً .

{إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } هذا تقرير للجملتين معاً لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلمه { عَلَّامُ الْغُيُوبِ } لا ينتهي إليه أحد ، فإذا كنت أنت المختص بعلم الغيب فلا علم لي بالغيب فكيف تكون لي الألوهية وخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فلقاه اللّه { سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } الآية كلها . قال أبو عيسى : حديث حسن صحيح .

﴿ ١١٦