١١٩قال اللّه هذا . . . . . {قَالَ اللّه هَاذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } قرأ الجمهور هذا يوم بالرفع على أن هذا مبتدأ ويوم خبره والجملة محكية بقال وهي في موضع المفعول به ، لقال : أي هذا الوقت وقت نفع الصادقين وفيه إشارة إلى صدق عيسى عليه السلام . وقرأ نافع { هَاذَا يَوْمُ } بفتح الميم وخرّجه الكوفيون على أنه مبني خبر لهذا وبني لإضافته إلى الجملة الفعلية ، وهم لا يشترطون كون الفعل مبنياً في بناء الظرف المضاف إلى الجملة ، فعلى قولهم تتحد القراءتان في المعنى . وقال البصريون : شرط هذا البناء إذا أضيف الظرف إلى الجملة الفعلية أن يكون مصدراً بفعل مبني ، لأنه لا يسري إليه البناء لا من المبني الذي أضيف إليه ، والمسألة مقررة في علم النحو فعلى قول البصريين : هو معرب لا مبني وخرج نصبه على وجهين ذكرهما الزمخشري وغيره أحدهما : أن يكون ظرفاً لقال وهذا إشارة إلى المصدر فيكون منصوباً على المصدرية ، أي : قال اللّه هذا القول أو إشارة إلى الخبر أو القصص ، كقولك : قال زيد شعراً أو قال زيد : خطبة فيكون إشارة إلى مضمون الجملة ، واختلف في نصبه أهو على المصدرية أو ينتصب مفعولاً به ؟ فعلى هذا الخلاف ينتصب إذا كان إشارة إلى الخبر أو القصص نصب المصدر أو نصب المفعول به . قال ابن عطية : وانتصابه على الظرف وتقدير { قَالَ اللّه هَاذَا } القصص أو الخبر { يَوْمُ يَنفَعُ } معنى يزيل وصف الآية وبهاء اللفظ والمعنى ، والوجه الثاني أن يكون ظرفاً خبر هذا وهذا مرفوع على الابتداء والتقدير ، هذا الذي ذكرناه من كلام عيسى واقع يوم ينفع ويكون هذا يوم ينفع جملة محكية بقال . قال الزمخشري : وقرأ الأعمش يوماً ينفع بالتنوين كقوله { وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى} و قال ابن عطية : وقرأ الحسن بن عياش الشامي { هَاذَا يَوْمُ } بالرفع والتنوين . وقرأ الجمهور { صِدْقُهُمْ } بالرفع فاعل ينفع وقرىء بالنصب ، وخرج على أنه مفعول له أي لصدقهم أو على إسقاط حرف الجر أي بصدقهم أو مصدر مؤكد ، أي الذين يصدقون صدقهم أو مفعول به أي يصدقون الصدق كما تقول : صدقته القتال والمعنى يحققون الصدق قال الزمخشري { فإن قلت} : إن أريد { صِدْقُهُمْ } في الآخرة فليست بدار عمل ، وإن أريد في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه ، لأنه في معنى الشهادة لعيسى عليه السلام بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة . {قلت} : معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم انتهى ، وهذا بناء على قول من قال : إن هذا القول يكون من اللّه تعالى في الآخرة وقد اتبع الزمخشري الزجاج في قوله : هذا حقيقته الحكاية ومعنى { يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } الذي كان في الدنيا ينفعهم في القيامة ، لأن الآخرة ليست بدار عمل ولا ينفع أحداً فيها ما قال وإن حسن ، ولو صدق الكافر وأقرّ بما عمل فقال : كفرت وأسأت ما نفعه ، وإنما الصادق الذي ينفعه صدقه الذي كان فيه في الدنيا والآخرة ؛ انتهى . والظاهر أنه ابتداء كلام من اللّه تعالى . وقال السدي : هذا فصل من كلام عيسى عليه السلام أي : يقول عيسى يوم القيامة : قال اللّه تعالى : واختلف في هذا اليوم ، فقيل : يوم القيامة كما ذكرناه وخص بالذكر لأنه يوم الجزاء الذي فيه تجبي ثمرات الصدق الدائمة الكاملة ، وإلا فالصدق ينفع في كل يوم وكل وقت . وقيل : هو يوم من أيام الدنيا فإن العمل لا ينفع إلا إذا كان في الدنيا والصادقون هنا النبيون وصدقهم تبليغهم ، أو المؤمنون وصدقهم إخلاصهم في إيمانهم أو صدق عهودهم أو صدقهم في العمل للّه تعالى ، أو صدقهم تركهم الكذب على اللّه وعلى رسله أو صدقهم في الآخرة في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ أو شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ، ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم أقوال ستة ، والظاهر العموم فكل صادق بنفعه صدقه . {لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ } هذا كأنه جواب سائل ما لهم جزاء على الصدق ؟ فقيل : لهم جنات . {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً } إشارة إلى تأييد الديمومية في الجنة . {رَّضِىَ اللّه عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } قيل : بقبول حسناتهم ورضوا عنه بما آتاهم من الكرامة . وقيل : بطاعتهم ورضوا عنه في الآخرة بثوابه . وقال الترمذي : بصدقهم ورضوا عنه بوفاء حقهم . وقيل : في الدنيا ورضوا عنه في الآخرة . وقال أبو عبد اللّه الرازي : في قوله { رَّضِىَ اللّه عَنْهُمْ } هو إشارة إلى التعظيم هذا على ظاهر قول المتكلمين ، وأما عند أصحاب الأرواح المشرفة بأنوار جلال اللّه تعالى فتحت قوله :{ رَّضِىَ اللّه عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا اللّه من أهلها ؛ انتهى ، وهو كلام عجيب شبيه بكلام أهل الفلسفة والتصوّف . {ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ذلك إشارة إلى ما تقدم من كينونة الجنة لهم على التأبيد وإلى رضوان اللّه عنهم ، لأن الجنة بما فيها كالعدم بالنسبة إلى رضوان اللّه وثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : { يطلع اللّه على أهل الجنة فيقول : يا أهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون : يا ربنا وكيف لا نرضى وقد بعدتنا عن نارك وأدخلتنا جنتك ، فيقول اللّه تعالى : ولكم عندي أفضل من ذلك فيقولون : وما أفضل من ذلك ؟ فيقول اللّه عز وجل : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبداً} . |
﴿ ١١٩ ﴾