٦ألم يروا كم . . . . . {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الاْرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً } لما هددهم وأوعدهم على إعراضهم وتكذيبهم واستهزائهم ، أتبع ذلك بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة ، وحض على الاعتبار بالقرون الماضية و { يَرَوْاْ } هنا بمعنى يعلموا ، لأنهم لم يبصروا هلاك القرون السالفة و { كَمْ } في موضع المفعول ب { أَهْلَكْنَا } و { يَرَوْاْ } معلقة والجملة في موضع مفعولها ، و { مِنْ } الأولى لابتداء الغاية و { مِنْ } الثانية للتبعيض ، والمفرد بعدها واقع موقع الجمع ووهم الحوفي في جعله { مِنْ } الثانية بدلاً من الأولى وظاهر الإهلاك أنه حقيقة ، كما أهلك قوم نوح وعاداً وثمود غيرهم ويحتمل أن يكون معنوياً بالمسح قردة وخنازير ، والضمير في { يَرَوْاْ } عائد على من سبق من المكذبين المستهزئين و { لَكُمْ } خطاب لهم فهو التفات ، والمعنى أن القرون المهلكة أعطوا من البسطة في الدنيا والسعة في الأموال ما لم يعط هؤلاء الذين حضوا على الاعتبار بالأمم السالفة وما جرى لهم ، وفي هذا الالتفات تعريض بقلة تمكين هؤلاء ونقصهم عن أحوال من سبق ، ومع تمكين أولئك في الأرض فقد حل بهم الهلاك ، فكيف لا يحل بكم على قلتكم وضيق خطتكم ؟ فالهلاك إليكم أسرع من الهلاك إليهم . و قال ابن عطية : والمخاطبة في { لَكُمْ } هي للمؤمنين ولجميع المعاصرين لهم وسائر الناس كافة ، كأنه قال :{ مَا لَمْ نُمَكّن } يا أهل هذا العصر لكم ويحتمل أن يقدر معنى القول لهؤلاء الكفرة ، كأنه قال { إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا } الآية . وإذا أخبرت أنك قلت لو قيل له أو أمرت أن يقال له فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها ، فتجيء بلفظ المخاطبة ، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ ذكر غائب دون مخاطبة ، انتهى . فتقول : قلت لزيد ما أكرمك وقلت لزيد ما أكرمه ، والضمير في { مَّكَّنَّاهُمْ } عائد على { كَمْ } مراعاة لمعناها ، لأن معناها جمع والمراد بها الأمم ، وأجاز الحوفي وأبو البقاء أن يعود على { قَرْنٍ } وذلك ضعيف لأن { مّن قَرْنٍ } تمييز { لَكُمْ } فكم هي المحدث عنها بالإهلاك فتكون هي المحدث عنها بالتمكين ، فما بعده إذ { مّن قَرْنٍ } جرى مجرى التبيين ولم يحدث عنه ، وأجاز أبو البقاء أن يكون { كَمْ } هنا ظرفاً وأن يكون مصدراً ، أي : كم أزمنة أهلكنا ؟ أو كم إهلاكاً أهلكنا ؟ ومفعول { أَهْلَكْنَا مِنَ قَرْنٍ } على زيادة من وهذا الذي أجازه لا يجوز ، لأنه لا يقع إذ ذاك المفرد موقع الجمع بل تدل على المفرد ، لو قلت : كم أزماناً ضربت رجلاً أو كم مرة ضربت رجلاً ؟ لم يكن مدلوله مدلول رجال ، لأن السؤال إنما هو عن عدد الأزمان أو المرات التي ضرب فيها رجل ، ولأن هذا الموضع ليس من مواضع زيادة { مِنْ } لأنها لا تزاد إلا في الاستفهام المحض أو الاستفهام المراد به النفي ، والاستفهام هنا ليس محضاً ولا يراد به النفي والظاهر أن قوله { مَّكَّنَّاهُمْ } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل : ما كان من حالهم ؟ فقيل :{ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الاْرْضِ} وقال أبو البقاء :{ مَّكَّنَّاهُمْ } في موضع خبر صفة { قَرْنٍ } وجمع على المعنى وما قاله أبو البقاء ممكن ، { وَمَا } في قوله :{ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } جوزوا في إعرابها أن تكون بمعنى الذي ويكون التقدير التمكين ، الذي { لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } فحذف المنعوت وأقيم النعت مقامه ، ويكون الضمير العائد على { مَا } محذوفاً أي ما لم نمكنه لكم وهذا لا يجوز ، لأن { مَا } بمعنى الذي لا يكون نعتاً للمعارف وإن كان مدلولها مدلول الذي ، بل لفظ الذي هو الذي يكون نعتاً للمعارف لو قلت ضربت الضرب ما ضرب زيد تريد الذي ضرب زيد لم يجز ، فلو قلت : الضرب الذي ضربه زيد جاز وجوزوا أيضاً أن يكون نكرة صفة لمصدر محذوف تقديره تمكيناً لم نمكنه لكم ، وهذا أيضاً لا يجوز لأن { مَا } النكرة الصفة لا يجوز حذف موصوفها ، لو قلت : قمت ما أو ضربت ما وأنت تريد قمت قياماً ما وضربت ضرباً ما لم يجز ، وهذان الوجهان أجازهما الحوفي وأجاز أبو البقاء أن يكون { مَا } مفعولاً به بتمكن على المعنى ، لأن المعنى أعطيناهم ما لم نعطكم ، وهذا الذي أجازه تضمين والتضمين لا ينقاس ، وأجاز أيضاً أن تكون { مَا } مصدرية والزمان محذوف أي مد { مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } ويعني مدة انتفاء التمكين لكم ، وأجاز أيضاً أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها أي شيئاً لم نمكنه لكم ، وحذف العائد من الصفة على الموصوف وهذا أقرب إلى الصواب وتعدى مكن هنا للذوات بنفسه وبحرف الجر ، والأكثر تعديته باللام { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاْرْضِ }{ إِنَّمَا مَكَّنَّا لَهُ فِى الاْرْضِ } أو لم نمكن لهم . وقال أبو عبيد { مَّكَّنَّاهُمْ } ومكنا لهم لغتان فصيحتان ، كنصحته ونصحت له والإرسال والإنزال متقاربان في المعنى لأن اشتقاقه من رسل اللبن ، وهو ما ينزل من الضرع متتابعاً و { السَّمَاء } السماء المظلة قالوا : لأن المطر ينزل منها إلى السحاب ، ويكون على حذف مضاف أي مطر { السَّمَاء } ويكون { مُّدْرَاراً } حالاً من ذلك المضاف المحذوف . وقيل :{ السَّمَاء } المطر وفي الحديث : { في أثر سماء كانت من الليل } ، وتقول العرب : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم ، يريدون المطر وقال الشاعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رغيناه وإن كانوا غضبانا {ومدراراً } على هذا حال من نفس { فِى السَّمَاء} وقيل :{ السَّمَاء } هنا السحاب ويوصف بالمدرار ، فمدراراً حال منه { ومدرارا } يوصف به المذكر والمؤنث وهو للمبالغة في اتصال المطر ودوامة وقت الحاجة ، لا إنها ترفع ليلاً ونهاراً فتفسد قاله ابن الأنباري . ولأن هذه الأوصاف إنما ذكرت لتعديد النعم عليهم ومقابلتها بالعصيان ، { مَّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الاْنْهَارَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ } تقدّم ذكر كيفية جريان الأنهار من التحت في أوائل البقرة . وقد أعرب من فسر { الانْهَارَ } هنا بالخيل كما قيل في قوله :{ وَهَاذِهِ الاْنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى } وإذا كان الفرس سريع العدو واسع الخطو وصف بالبحر وبالنهر ، والمعنى أنه تعالى مكنهم التمكين البالغ ووسع عليهم الرزق فذكر سببه وهو تتابع الأمطار على قدر حاجاتهم وإمساك الأرض ذلك الماء ، حتى صارت الأنهار تجري من تحتهم فكثر الخصب فأذنبوا فأهلكوا بذنوبهم ، والظاهر أن الذنوب هنا هي كفرهم وتكذيبهم برسل اللّه وآياته ، والإهلاك هنا لا يراد به مجرد الإفناء والإماتة بل المراد الإهلاك الناشىء عن الذنوب والأخذ به كقوله تعالى :{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاْرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ } ، لأن الإهلاك بمعنى الإماتة مشترك فيه الصالح والطالح ، وفائدة ذكر إنشاء قرن { ءاخَرِينَ } بعدهم ، إظهار القدرة التامّة على إفناء ناس وإنشاء ناس فهو تعالى لا يتعاظمه أن يهلك { قَرْناً } ويخرب بلاده وينشىء مكانه آخر يعمر بلاده وفيه تعريض للمخاطبين ، بإهلاكهم إذا عصوا كما أهلك من قبلهم ووصف قرناً{ بِاخَرِينَ } وهو جمع حملاً على معنى قرن ، وكان الحمل على المعنى أفصح لأنها فاصلة رأس آية . |
﴿ ٦ ﴾