٥٤وإذا جاءك الذين . . . . . {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِئَايَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} الجمهور أنها نزلت في الذين نهى اللّه عن طردهم فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال : الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أبدأهم بالسلام . وقيل : الذين صوّبوا رأي أبي طالب في طرد الضعفة . وقال الفضيل بن عياض : قال قوم : قد أصبنا ذنوباً فاستغفر لنا فأعرض عنهم فنزلت . وقيل : نزلت في عمر حين أشار بإجابة الكفرة ولم يعلم أنها مفسدة ، وعلى هذه الأسباب يكون تفسير { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } فإن كان عنى بهم الستة الذين نهى عن طردهم فيكون من باب العام أريد به الخاص ويكون قوله { سَلَامٌ عَلَيْكُمُ } أمراً بإكرامهم وتنبيهاً على خصوصية تشريفهم بهذا النوع من الإكرام وإن كان عنى عمر حين اعتذر واستغفر وقال : ما أردت بذلك إلا الخير كان من إطلاق الجمع على الواحد المعظم ، والظاهر أنه يراد به المؤمنون من غير تخصيص لا بالستة ولا بغيرهم وإنها استئناف إخبار من اللّه تعالى بعد تقصي خبر أولئك الذين نهى عن طردهم ولو كانوا إياهم لكان التركيب الأحسن ، وإذا جاؤك والآيات هنا آيات القرآن وعلامات النبوة . وقال أبو عبد اللّه الرازي : آيات اللّه آيات وجوده وآيات صفات جلاله وإكرامه وكبريائه ووحدانيته وما سوى اللّه لا نهاية له ، ولا سبيل للعقول إلى الوقوف عليه على التفصيل التام إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات ثم يؤمن بالبقية على سبيل الإجمال ثم يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار وكالسائح في تلك القفار ، ولما كان لا نهاية لها فكذلك ، لا نهاية في ترقي العبد في معارج تلك الآيات وهذا مشرع جملي لا نهاية لتفاصيله ، ثم إن العبد إذا كان موصوفاً بهذه الصفات فعندها أمر اللّه نبيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم بأن يقول لهم بسلام عليكم فيكون هذا التسليم بشارة بحصول الكرامة عقيب تلك السلامة والنجاة من بحر عالم الظلمات ومركز الجسمانيات ومعدن الآفات والمخافات وموضع التغييرات والتبديلات ، وأما الكرامة بالوصول إلى الباقيات الصالحات المجردات المقدسات والوصول إلى فسحة عالم الأنوار والترقي إلى معارج سرادقات الجلال ؛ انتهى كلامه وهو تكثير لا طائل تحته طافح بإشارات أهل الفلسفة بعيد من مناهج المتشرّعين وعن مناحي كلام العرب ومن غلب عليه شيء حتى في غير مظانه وللّه در القائل يغري منصور الموحدين بأهل الفلسفة من قصيدة : وحرق كتبهم شرقاً وغربا ففيها كامن شرّ العلوم يدب إلى العقائد من أذاها سموم والعقائد كالجسوم وقال المبرد : السلام في اللغة اسم من أسماء اللّه تعالى وجمعه سلامة ومصدر واسم شجر . وقال الزجاج : مصدر لسلم تسليماً وسلاماً كالسراح من سرّح والأداء من أدى . وقال عكرمة والحسن : أمر بابتداء السلام عليهم تشريفاً لهم . وقال ابن زيد : أمر بإبلاغ السلام عليهم من اللّه ، وقيل : معنى السلام هنا الدعاء من الآفات . وقال أبو الهيثم : السلام والتحية بمعنى واحد ومعنى السلام عليكم حياكم اللّه . وقال الزمخشري : إما أن يكون أمر بتبليغ سلام اللّه إليهم وإما أن يكون أمر بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم ؛ انتهى . وترديده إما وأما الأول قول ابن زيد ، والثاني قول عكرمة . و قال ابن عطية : لفظه لفظ الخبر وهو في معنى الدعاء وهذا من المواضع التي جاز فيها الابتداء بالنكرة إذ قد تخصصت ؛ انتهى . والتخصيص الذي يعينه النحاة في النكرة التي يبتدأ بها هو أن يتخصص بالوصف أو العمل أو الإضافة ، وسلام ليس فيه شيء من هذه التخصيصات وقد رام بعض النحويين أن يجعل جواز الابتداء بالنكرة راجعاً إلى التخصيص والتعميم والذي يظهر من كلام ابن عطية أنه يعني بقوله إذ قد تخصصت أي استعملت ، في الدعاء فلم تبق النكرة على مطلق مدلولها الوصفي إذ قد استعملت يراد بها أحد ما تحتمله النكرة {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } أي أوجبها والبارىء تعالى لا يجب عليه شيء عقلاً إلا إذا أعلمنا أنه حتم بشيء فذلك الشيء واجب . وقيل :{ كِتَابَ } وعد والكتب هنا في اللوح المحفوظ . وقيل : في كتاب غيره ، وفي صحيح البخاري إن اللّه تعالى كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي ، وهذه الجملة مأمور بقولها تبشيراً لهم بسعة رحمة اللّه وتفريحاً لقلوبهم . {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ } السوء : قيل : الشرك . وقيل المعاصي ، وتقدم تفسير عمل السوء بجهالة في قوله :{ إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة } فأغنى عن إعادته . {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي من بعد عمل السوء { وَأَصْلَحَ } شرط استدامة الإصلاح في الشيء الذي تاب منه . قرأ عاصم وابن عامر أنه بفتح الهمزتين فالأولى بدل من الرحمة والثانية خبر مبتدأ محذوف تقديره فأمره أنه أي أن اللّه غفور رحيم له ، ووهم النحاس فزعم أن قوله { فَإِنَّهُ } عطف على أنه وتكرير لها لطول الكلام وهذا كما ذكرناه وهم ، لأن { مِنْ } مبتدأ سواء كان موصولاً أو شرطاً فإن كان موصولاً بقي بلا خبر وإن كان شرطاً بقي بلا جواب . وقيل : إنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره عليه أنه من عمل . وقيل : فإنه بدل من أنه وليس بشيء لدخول الفاء فيه ولخلو { مِنْ } من خبر أو جواب . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والإخوان بكسر الهمزة فيهما الأولى على جهة التفسير للرحمة والثانية في موضع الخبر أو الجواب . وقرأ نافع بفتح الأولى على الوجهين السابقين وكسر الثانية على وجهها أيضاً ، وقرأت فرقة بكسر الأولى وفتح الثانية حكاها الزهراوي عن الأعرج . وحكى سيبويه عنه مثل قراءة نافع . وقال الداني : قراءة الأعرج ضد قراءة نافع و { بِجَهَالَةٍ } في موضع نصب على الحال أي وهو جاهل وما أحسن مساق هذا المقول أمره أولاً أن يقول للمؤمنين سلام عليكم فبدأ أولاً بالسلامة والأمن لمن آمن ثم خاطبهم ثانياً بوجوب الرحمة وأسند الكتابة إلى ربهم أي كتب الناظر لكم في مصالحكم والذي يربيكم ويملككم الرحمة فهذا تبشير بعموم الرحمة ، ثم أبدل منها شيئاً خاصاً وهو غفرانه ورحمته لمن تاب وأصلح ، ولو ذهب ذاهب إلى أن الرحمة مفعول من أجله وإن أنه في موضع نصب لكتب أي لأجل رحمته إياكم لم يبعد ولكن الظاهر أن الرحمة مفعول { كِتَابَ } واستدل المعتزلة بقوله :{ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } أنه لا يخلق الكفر في الكافر لأن الرحمة تنافي ذلك وتنافي تعذيبه أبد الآباد |
﴿ ٥٤ ﴾