٦٩

وما على الذين . . . . .

{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء }{ الَّذِينَ يَتَّقُونَ } هم المؤمنون والضمير في { حِسَابَهُمْ } عائد على المستهزئين الخائضين في الآيات . وروي أن المؤمنين قالوا : لما نزلت فلا تقعدوا معهم لا يمكننا طواف ولا عبادة في الحرم فنزلت { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } فأبيح لهم قدر ما يحتاج إليه من التصرف بينهم في العبادة ونحوها ، والظاهر أن حكم الرسول موافق لحكم غيره لاندراجه في قوله :{ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ } أمر هو صلى اللّه عليه وسلم بالإعراض عنهم حتى إن عرض نسيان وذكر فلا تقعد معهم .

وقيل : للمتقين وهو رأسهم أي ما عليكم من حسابهم من شيء .

{وَلَاكِن ذِكْرَى } أي ولكن عليكم أن تذكروهم ذكرى إذا سمعتموهم يخوضون بأن تقوموا عنهم وتظهروا كراهة فعلهم وتعظوهم .

{لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي لعلهم يجتنبون الخوض في الآيات حياء منكم ورغبة في مجالستكم قاله مقاتل ، أو { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الوعيد بتذكيركم إياهم .

وقيل : المعنى لا تقعدوا معهم ولا تقربوهم حتى لا تسمعوا استهزاءهم وخوضهم ، وليس نهيكم عن القعود لأن عليكم شيئاً من حسابهم وإنما هو ذكرى لكم لعلكم تتقون أي تثبتون على تقواكم وتزدادونها ، فالضمير في { لَعَلَّهُمْ } عائد على { الَّذِينَ يَتَّقُونَ } ومن قال الخطاب في وإذا رأيت خاص بالرسول قال { الَّذِينَ يَتَّقُونَ } للمؤمنين دونه ومعناها الإباحة لهم دونه كأنه قال : يا محمد لا تقعد معهم

وأما المؤمنون فلا شيء عليهم من حسابهم فإن قعدوا فليذكروهم { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } اللّه في ترك ما هم عليه . وقال هذا القائل : هذه الإباحة التي اقتضتها هذه الآية نسختها آية النساء وذكرى يحتمل أن تكون في موضع نصب أي ولكن تذكرونهم ، ومن قال الإباحة كانت بسبب العبادات قال نسخ ذلك آية النساء أو ذكروهم وفي موضع رفع أي ولكن عليهم ذكرى وقدّره بعضهم ولكن هو ذكرى أي الواجب ذكرى .

وقيل : هذا ذكرى أي النهي ذكرى .

قال الزمخشري : ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل من شيء كقولك : ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله :{ مِنْ حِسَابِهِم } يأبى ذلك ؛ انتهى . كأنه تخيل إن في العطف يلزم القيد الذي في المعطوف عليه وهو من حسابهم لأنه قيد في شيء فلا يجوز عنده أن يكون من عطف المفردات عطفاً على { مِن شَىْء } على الموضع لأنه يصير التقدير عنده و { لَكِنِ ذِكْرِى } من حسابهم وليس المعنى على هذا وهذا الذي تخيله ليس بشيء لا يلزم في العطف { ولكن} ما ذكر تقول : ما عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق وما عندنا رجل من تميم ولكن رجل من قريش ، وما قام من رجل عالم ولكن رجل جاهل فعلى هذا الذي قررناه يجوز أن يكون من قبيل عطف الجمل كما تقدم ، ويجوز أن يكون من عطف المفردات والعطف إنما هو للواو ودخلت { لَكِنِ } للاستدراك .

قال ابن عطية : وينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية الملحدين وأهل الجدل والخوض فيه .

وحكى الطبري عن أبي جعفر أنه قال : لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات اللّه تعالى .

﴿ ٦٩