٣٨{الْكَافِرِينَ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللّه اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الاْرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَواةِ الدُّنْيَا مِنَ الاْخِرَةِ } : لما أمر اللّه رسوله بغزاة تبوك ، وكان زمان جدب وحر شديد وقد طابت الثمار ، عظم ذك على الناس وأحبوا المقام ، نزلت عتاباً على من تخلف عن هذه الغزوة ، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام ، غزا فيها الروم في عشرين ألفاً من راكب وراجل ، وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون . وخص الثلاثة بالعتاب الشديد بحسب مكانهم من الصحبة ، إذ هم من أهل بدر وممن يقتدى بهم ، وكان تخلفهم لغير علة حسبما يأتي إن شاء اللّه تعالى . ولما شرح معاتب الكفار رغب في مقابلتهم . وما لكم استفهام معناه الإنكار والتقريع ، وبني قيل للمفعول ، والقائل هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يذكر إغلاظاً ومخاشنة لهم وصوناً لذكره . إذ أخلد إلى الهوينا والدعة : من أخلد وخالف أمره صلى اللّه عليه وسلم. وقرأ الأعمش : تثاقلتم وهو أصل قراءة الجمهور اثاقلتم ، وهو ماض بمعنى المضارع ، وهو في موضع الحال ، وهو عامل في إذ أي : ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم انفروا . وقال أبو البقاء : الماضي هنا بمعنى المضارع أي : ما لكم تتثاقلون ، وموضعه نصب . أي : أي شيء لكم في التثاقل ، أو في موضع جر على مذهب الخليل انتهى . وهذا ليس بجيد ، لأنه يلزم منه حذف أنْ ، لأنه لا ينسبك مصدر إلا من حرف مصدري والفعل ، وحذف أنْ في نحو هذا قليل جداً أو ضرورة . وإذا كان التقدير في التثاقل فلا يمكن عمله في إذا ، لأن معمول المصدر الموصول لا يتقدم عليه فيكون الناصب لإذا ، والمتعلق به في التثاقل ما هو معلوم لكم الواقع خبراً لما . وقرىء : اثاقلتم على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ ، ولا يمكن أن يعمل في إذ ما بعد حرف الاستفهام . ف قال الزمخشري : يعمل فيه ما دل عليه ، أو ما في ما لكم من معنى الفعل ، كأنه قال : ما تصنعون إذا قيل لكم ، كما تعمله في الحال إذا قلت : ما لك قائماً . والأظهر أن يكون التقدير : ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم انفروا ، وحذف لدلالة اثاقلتم عليه . ومعنى اثاقلتم إلى الأرض : ملتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمارها قاله مجاهد وكرهتم مشاق السفر . وقيل ملتم إلى الإقامة بأرضكم قاله : الزجاج . ولما ضمن معنى الميل والإخلاد عدى بإلى . وفي قوله : أرضيتم ، نوع من الإنكار والتعجب أي : أرضيتم بالنعيم العاجل في الدنيا الزائل بدل النعيم الباقي . ومِن تظافرت أقوال المفسرين على أنها بمعنى بدل أي : بدل الآخرة كقوله : { لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَئِكَةً } أي بدلاً ، ومنه قول الشاعر : فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان أي بدلاً من ماء زمزم ، والطهيان عود ينصب في ناحية الدار للّهواء تعلق فيه أوعية الماء حتى تبرد . وأصحابنا لا يثبتون أن تكون هنُّ للبدل . ويتعلق في الآخرة بمحذوف التقدير : فما متاع الحياة الدنيا محسوباً في نعيم الآخرة . وقال الحوفي : في الآخر متعلق بقليل ، وقليل خبر الابتداء . وصلح أن يعمل في الظرف مقدماً ، لأنّ رائحة الفعل تعمل في الظرف . ولو قلت : ما زيد عمراً إلا يضرب ، لم يجز . |
﴿ ٣٨ ﴾