٦١

ومنهم الذين يؤذون . . . . .

الاعتذار التنصل من الذنب ، فقيل : أصله المحو ، من قولهم : اعتذرت المنازل ودرست ، فالمعتذر يحاول إزالة ذنبه . قال ابن أحمر : قد كنت تعرف آيات فقد جعلت

إطلال إلفك بالوعساء تعتذر

وعن ابن الأعرابي : إنّ الاعتذار هو القطع ، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع ، واعتذرت المياه انقطعت ، والعذر سبب لقطع الذم . عدن بالمكان يعدن عدونا أقام ، قاله : أبو زيد وابن الأعرابي . قال الأعشى : وإن يستضيفوا إلى حلمه

يضافوا إلى راجح قد عدن

وتقول العرب : تركت إبل فلان عوادن بمكان كذا ، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه . وسمي المعدن معدناً لا نبات اللّه الجوهر فيه وإثباته إياه في الأرض حتى عدن فيها أي ثبت . وعدن مدينة باليمن لأنها أكثر مدائن

اليمن قطاناً ودوراً .

{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّه وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } : كان قدام بن خالد وعبيد بن هلال والجلاس بن سويد في آخين يؤذون الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقال بعضهم : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا . فقال الجلاس : بل نقول بما شئنا ، فإنّ محمداً أذن سامعة ، ثم نأتيه فيصدقنا فنزلت .

وقيل : نزلت في نبتل بن الحرث كان ينم حديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى المنافقين ، فقيل له : لا تفعل ، فقال ذلك القول .

وقيل : نزلت في الجلاس وزمعة بن ثابت في آخرين أرادوا أن يقعوا في الرسول وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس فحقروه ، فقالوا : لئن كان ما يقول محمّد حقاً لنحن شر من الحمير ، فغضب الغلام فقال : واللّه إنّ ما يقول محمد حق ، وأنتم لشر من الحمير ، ثم أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره فدعاهم ، فسألهم ، فحلفوا أنّ عامراً كاذب ، وحلف عامر أنهم كذبة وقال : اللّهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب ، ونزلت هذه الآية يحلفون باللّه لكم ليرضوكم ، فقال رجل : أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد ، يستوي فيه الواحد والجمع قاله الجوهري .

وقال الزمخشري : الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ، ويقبل قول كل أحد ، سمي بالجارحة التي هي آلة السماع ، كان جملته أذن سامعة ونظيره قولهم للرئية : عين . وقال الشاعر : قد صرت أذناً للوشاة سميعة

ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا

وهذا منهم تنقيص للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، إذ وصفوه بقلة الحزامة والانخداع .

وقيل : المعنى ذو أذن ، فهو على حذف مضاف قاله ابن عباس .

وقيل : أذن حديد السمع ، ربما سمع مقالتنا .

وقيل : أذن وصف بنى على فعل من أذن يأذن أذناً إذا استمع ، نحو أنف وشلل وارتفع . أذن على إضمار مبتدأ أي : قل هو أذن خير لكم . وهذه الإضافة نظيرها قولهم : رجل صدق ، تريد الجودة والصلاح . كأنه قيل : نعم هو أذن ، ولكن نعم الإذن . ويجوز أن يراد هو أذن في الخير والحق وما يجب سماعه وقبوله ، وليس بإذن في غير ذلك . ويدل عليه خير ورحمة في قراءة من جرها عطفاً على خير أي : هو أذن خير ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله ، قاله الزمخشري .

وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبو بكر عن عاصم في رواية قل : أذن بالتنوين خير بالرفع . وجوزوا في أذن أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، وخير خبر ثان لذلك المحذوف أي : هو أذن هو خير لكم ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم يقبل معاذيركم ولا يكافئكم على سوء خلتكم . وأن يكون خير صفة لأذن أي : أذن ذو خير لكم . أو على أنّ خيراً أفعل تفضيل أي : أكثر خيراً لكم ، وأن يكون أذن مبتدأ خبره خبر . وجاز أن يخبر بالنكرة عن النكرة مع حصول الفائدة فيه قاله صاحب اللوامح ، وهو جائز على تقدير حذف وصف أي : أذن لا يؤاخذكم خير لكم ، ثم وصفه تعالى بأنه يؤمن باللّه ، ومن آمن باللّه كان خائفاً منه لا يقدم على الإيذاء بالباطل . ويؤمن للمؤمنين أي : يسمع من المؤمنين ويسلم لهم ما يقولون ويصدقهم لكونهم مؤمنين ، فهم صادقون . ورحمة للذين آمنوا منكم ، وخص المؤمنين وإن كان رحمة للعالمين ، لأن ما حصل لهم بالإيمان بسبب الرسول لم يحصل لغيرهم ، وخصوا هنا بالذكر وإن كانوا قد دخلوا في العالمين لحصول مزيتهم . وهذه الأوصاف الثلاثة مبينة جهة الخيرية ، ومظهرة كونه صلى اللّه عليه وسلم أذن خير . وتعدية يؤمن أولاً بالباء ، وثانياً باللام . قال ابن قتيبة : هما زائدان ، والمعنى : يصدق اللّه ، ويصدق المؤمنين .

وقال الزمخشري : قصد التصديق باللّه الذي هو نقيض الكفر ، فعدى بالباء ، وقصد الاستماع للمؤمنين ، وإن يسلم لهم ما يقولون فعدى باللام . ألا ترى إلى قوله تعالى :{ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } ما أنباه عن الباء ونحوه { فَمَا ءامَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ }{ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاْرْذَلُونَ} {قَالَ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ } انتهى . و

قال ابن عطية : يؤمن باللّه يصدق باللّه ، ويؤمن للمؤمنين . قيل : معناه ويصدق المؤمنين ، واللام زائدة كما هي في { رَدِفَ لَكُم } وقال المبرد : هي متعلقة بمصدر مقدر من الفعل ، كأنه قال : وإيمانه للمؤمنين أي : وتصديقه .

وقيل : يقال آمنت لك بمعنى صدقتك ، ومنه قوله :{ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } وعندي أنّ هذه التي معها اللام في ضمنها باء

فالمعنى : ويصدق للمؤمنين فيما يخبرونه به ، وكذلك وما أنت بمؤمن لنا بما نقوله لك انتهى .

وقرأ أبي ، وعبد اللّه ، والأعمش ، وحمزة : ورحمة بالجر عطفاً على خبر ، فالجملة من يؤمن اعتراض بين المتعاطفين ، وباقي السبعة بالرفع عطفاً على يؤمن ، ويؤمن صفة لأذن خير . وابن أبي عبلة : بالنصب مفعولاً من أجله حذف متعلقه التقدير : ورحمة يأذن لكم ، فحذف لدلالة أذن خير لكم عليه . وأبرز اسم الرسول ولم يأت به ضميراً على نسق يؤمن بلفظ الرسول تعظيماً لشأنه ، وجمعاً له في الآية بين الرتبتين العظيمتين من النبوّة والرسالة ، وإضافته إليه زيادة في تشريفه ، وحتم على من أذاه بالعذاب الأليم ، وحق لهم ذلك والذين يؤذون عام يندرج فيه هؤلاء الذين أذوا هذا الإيذاء الخاص وغيرهم .

﴿ ٦١