٦٤

{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِءواْ إِنَّ اللّه مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } : كان المنافقون يعيبون الرسول ويقولون : عسى اللّه أن لا يفشي سرنا فنزلت ، قاله مجاهد . وقال السدي : قال بعضهم : وددت أني جلدت مائة ولا ينزل فيناشىء يفضحنا ، فنزلت . وقال ابن كيسان : وقف جماعة منهم للرسول صلى اللّه عليه وسلم في ليلة مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به فأخبره جبريل عليه السلام فنزلت .

وقيل قالوا في غزوة تبوك : أيرجو هذا الرجل أن يفتح له قصور الشام وحصونها : هيهات هيهات فأنزل اللّه قل استهزؤوا . والظاهر أنّ يحذر خبر ، ويدل عليه أن اللّه مخرج ما تحذرون . فقيل : هو واقع منهم حقيقة لما شاهدوا الرسوليخبرهم بما يكتمونه ، وقع الحذر والخوف في قلوبهم . وقال الأصم : كانوا يعرفونه رسولاً من عند اللّه فكفروا حسداً ، واستبعد القاضي في العالم باللّه ورسوله وصحة دينه أن يكون محاداً لهما وليس ببعيد ، فإنه إذا استحكم الحسد نازع الحاسد في المحسوسات .

وقيل : هو حذر أظهروه على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول يذكر أشياء وأنها عن الوحي وكانوا يكذبون بذلك ، فأخبر اللّه رسوله بذلك ، وأعلم أنه مظهر سرهم ، ويدل عليه قوله : قل استهزؤوا . وقال الزجاج وغيره ممن ذهب إلى التحرز من أن يكون كفرهم عناداً : هو مضارع في معنى الأمر أي : ليحذر المنافقون ، ويبعده مخرج ما تحذرون ، وأن تنزل مفعول يحذر ، وهو متعد . قال الشاعر : حذر أموراً لا تضرّ وآمن

ما ليس ينجيه من الأقدار

وقال تعالى :{ وَيُحَذّرُكُمُ اللّه نَفْسَهُ } لما كان قبل التضعيف متعدياً إلى واحد ، عداه بالتضعيف إلى اثنين . وقال المبرد : حذر إنما هي من هيئات الأنفس التي لا تتعدى مثل فزع ، والتقدير : يحذر المنافقون من أن تنزل ، ولا يلزم ذلك : ألا ترى أنّ خاف من هيئات النفس وتتعدى ؟ والظاهر أن قوله عليهم : وتنبئهم ، الضمير أنّ فيهما عائدان على المنافقين ، وجاء عليهم لأنّ السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة علهم قاله : الكرماني ، والزمخشري . قال الكرماني : ويحتمل أنه من قولك : هذا عليك لا لك .

ومعنى تنبئهم بما في قلوبهم : تذيع أسرارهم حتى يسمعوها مذاعة منتشرة ، فكأنها تخبرهم بها .

وقال الزمخشري : والضمير في عليهم وتنبئهم للمؤمنين ، وفي قلوبهم للمنافقين ، وصح ذلك لأنّ المعنى يعود إليه انتهى . والأمر بالاستهزاء أمر تهديد ووعيد كقوله :{ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } ومعنى مخرج ما تحذرون مبرز إلى حيز الوجود ، ما تحذرونه من إنزال السورة ، أو مظهر ما كنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم . وفعل ذلك تعالى في هذه السورة فهي تسمى الفاضحة ، لأنها فضحت المنافقين . قيل : كانوا سبعين رجلاً أنزل اللّه أسماءهم وأسماء آبائهم في القرآن ، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه ، لأن أبناءهم كانوا مسلمين .

﴿ ٦٤